كتاب

الغاز الطبيعي.. من أمن الطاقة إلى قوة الاقتصاد

ترتبط القوة الاقتصادية للدول بقدرتها على توفير بيئة إنتاج مستقرة تمنح ميز تنافسية، وتأتي الطاقة في مقدمة عناصر هذه البيئة، لأنها تؤثر في كلفة الإنتاج، وتوجه قرارات الاستثمار، وترسم قدرة الصناعة على النمو والتوسع، لذلك أصبح الاستثمار في البنية التحتية للطاقة خيارا استراتيجيا يرتبط بالأمن الاقتصادي، ويشكل أحد أهم مرتكزات التنمية الصناعية المستدامة، فكلما امتلكت الدولة منظومة طاقة أكثر كفاءة وتنوعا واستقرارا، ازدادت قدرتها على توسيع قاعدتها الإنتاجية، وتعزيز صادراتها، وجذب الاستثمارات.
من هذا المنطلق، تكتسب مشاريع الغاز الطبيعي التي افتتحها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان في العقبة والقويرة، ووضع حجر الأساس لاستكمال بنيتها التحتية، أهمية استراتيجية، لأنها تعزز تنافسية الصناعة الوطنية، وترفع جاذبية الأردن للاستثمار، وتدعم مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي تقوم على بناء اقتصاد إنتاجي يقوده القطاع الخاص.
لقد كانت كلف الطاقة أحد أبرز التحديات أمام القطاع الصناعي، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، الأمر الذي انعكس على كلف الإنتاج والقدرة التنافسية، ولهذا فإن الاستراتيجية الحكومية التي تستهدف تخفيض كلف الطاقة في المدن والتجمعات الصناعية بنسبة تتراوح بين 35 و60 بالمئة تمثل خطوة اقتصادية مؤثرة، إذ تمنح المصانع قدرة أكبر على التوسع، وترفع تنافسية المنتجات الوطنية، وتعزز الصادرات، وتشجع استقطاب استثمارات صناعية جديدة.
وتبرز أهمية مشاريع الغاز الثلاثة في العقبة من خلال تكامل أدوارها في خدمة الصناعة وأمن الطاقة، ففي الوقت الذي توفر فيه محطتا الغاز الطبيعي في مدينة القويرة الصناعية والمنطقة الصناعية الجنوبية إمدادات مستقرة ومنخفضة الكلفة للمصانع، بما يرفع كفاءة التشغيل ويقلل النفقات الإنتاجية، يسهم مشروع وحدة التغويز الشاطئية، في تعزيز تنويع مصادر التزود بالغاز الطبيعي، وتوسيع خيارات الاستيراد، ورفع مرونة منظومة الطاقة الوطنية في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية، في حين يؤسس هذا التكامل لمنظومة تجمع بين أمن التزود بالطاقة، وخفض كلف الإنتاج، وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وجذب المزيد من الاستثمارات.
وتنسجم هذه المشاريع بصورة مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي تعتمد على توفير الممكنات الأساسية للنمو الصناعي، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، حيث يؤدي تكامل هذه العناصر إلى رفع جاذبية البيئة الاستثمارية، وزيادة قدرة المملكة على استقطاب الصناعات ذات القيمة المضافة، وتحقيق نمو اقتصادي قائم على الإنتاج والتصدير.
كما تمنح هذه المشاريع العقبة بعدا اقتصاديا جديدا يعزز مكانتها مركزا صناعيا ولوجستيا في المنطقة، مستفيدة من تكامل الميناء، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل، والبنية التحتية للغاز الطبيعي، وهو ما يهيئ بيئة إنتاج أكثر كفاءة وقربا من الأسواق الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يسهم الاعتماد على الغاز الطبيعي في تعزيز الاستدامة البيئية من خلال خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، بما يساعد الصناعة الأردنية على مواكبة المعايير البيئية التي أصبحت عاملا مؤثرا في حركة التجارة العالمية.
ويحمل مشروع وحدة التغويز الشاطئية بعدا يرتبط بالأمن الوطني الاقتصادي، إذ أثبتت المتغيرات الدولية أن تنويع مصادر الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد يمثلان ضمانة لاستقرار الاقتصاد واستمرار النشاط الصناعي في مختلف الظروف، كما تعكس سرعة إنجاز محطة الغاز في المنطقة الصناعية الجنوبية تطورا في كفاءة تنفيذ المشاريع الحكومية، وتعزز ثقة المستثمرين بقدرة الدولة على إنجاز البنية التحتية الداعمة للاستثمار وفق جداول زمنية واضحة.
في المحصلة، يمكن القول إن الاستثمار في الغاز الطبيعي هو استثمار في مستقبل الاقتصاد الأردني، لأنه يعزز تنافسية الصناعة، ويرفع الصادرات، ويجذب الاستثمارات، ويقوي أمن الطاقة، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي أكثر مرونة وقدرة على المنافسة، وهو ما يجعل هذه المشاريع إحدى الركائز الأساسية في مسار التحديث الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.