كتاب

ملتقى الأعمال الأردني البريطاني

يشهد العالم تنافساً متزايداً على جذب الاستثمارات، لم يعد المستثمر يبحث فقط عن الإعفاءات الضريبية أو انخفاض كلفة الإنتاج، بل أصبح يبحث أولاً عن الاستقرار، ووضوح السياسات الاقتصادية، وكفاءة المؤسسات، وسهولة الوصول إلى الأسواق العالمية. ومن هنا تكتسب ملتقيات الأعمال الدولية أهمية استثنائية، لأنها تمثل منصة عملية لربط رأس المال بالفرص الاستثمارية، وتحويل العلاقات السياسية المتميزة إلى شراكات اقتصادية مستدامة.
وقد حمل انعقاد ملتقى الأعمال الأردني البريطاني في لندن، بحضور جلالة الملك عبدالله الثاني، رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن الأردن ينظر إلى الاستثمار بوصفه أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، وأن تعزيز الشراكات مع الاقتصادات المتقدمة يمثل خياراً استراتيجياً وليس مجرد نشاط دبلوماسي اقتصادي.
العلاقات الاقتصادية بين الأردن والمملكة المتحدة تمتلك قاعدة قوية يمكن البناء عليها، إلا أن حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة ما يزال أقل من الإمكانات الحقيقية التي يمتلكها اقتصادا البلدين. فالمملكة المتحدة تعد من أكبر المراكز المالية والاستثمارية في العالم، بينما يمتلك الأردن موقعاً جغرافياً استراتيجياً، واستقراراً سياسياً ومؤسسياً، وشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة تمنح المستثمر إمكانية الوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية تضم مئات الملايين من المستهلكين.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا الملتقى لا تكمن في عدد الشركات المشاركة أو الاجتماعات الثنائية التي عقدت، وإنما في طبيعة الرسائل الاقتصادية التي حملها. فالاقتصادات الحديثة لم تعد تتنافس على استقطاب الأموال فقط، وإنما تتنافس على استقطاب المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وهي العناصر التي ترفع الإنتاجية وتعزز القدرة التنافسية وتخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة مرتفعة.
ولهذا جاء التركيز على قطاعات مثل البنية التحتية، والطاقة المستدامة، والتعدين، والصناعات الغذائية، والكيماويات، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها قطاعات تمتلك قدرة عالية على تحفيز النمو الاقتصادي. فالاستثمار في هذه القطاعات لا ينعكس فقط على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وإنما يولد آثاراً اقتصادية مضاعفة تمتد إلى سلاسل التوريد، وأسواق العمل، والصادرات، والإيرادات الضريبية، ونقل التكنولوجيا.
الأردن يمتلك العديد من المقومات فالاستقرار النقدي، والقطاع المصرفي المتين، وتطور البنية التشريعية للاستثمار، إلى جانب رأس المال البشري المؤهل، كلها عوامل تمنح الاقتصاد الأردني ميزة نسبية في المنطقة. إلا أن هذه المزايا تحتاج إلى الاستمرار في تحسين بيئة الأعمال، وتسريع الإجراءات، وتقليل الكلف غير المباشرة على المستثمر، وتوسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على استقطاب الاستثمارات البريطانية التي تعتمد على البحث والتطوير، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الخضراء، وهي القطاعات التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. فالاستثمار في المعرفة يحقق أثراً اقتصادياً يفوق بكثير الاستثمار التقليدي، لأنه يرفع إنتاجية العمل ويزيد القدرة التنافسية ويعزز الابتكار المحلي.
وفي المقابل، يستطيع الأردن أن يقدم للمستثمر البريطاني قيمة مضافة تتمثل في كونه منصة إنتاج وتصدير للأسواق الإقليمية، مستفيداً من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية وعدد من الأسواق الدولية، وهو ما يمنح الشركات الأجنبية ميزة تنافسية في الوصول إلى أسواق متعددة من خلال قاعدة إنتاجية واحدة.
إن الاقتصاد الأردني يدخل اليوم مرحلة تتطلب الانتقال من سياسة جذب الاستثمار إلى سياسة بناء الشراكات الاستثمارية طويلة الأجل، ومن المنافسة على الحوافز إلى المنافسة على الإنتاجية والابتكار. وإذا نجح الأردن في تحويل مخرجات ملتقى الأعمال الأردني البريطاني إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات نوعية، فإنه لن يعزز فقط علاقاته الاقتصادية مع المملكة المتحدة، بل سيؤسس أيضاً لنموذج جديد من الدبلوماسية الاقتصادية، يقوم على الاستثمار في المعرفة، والتكنولوجيا، والقيمة المضافة، باعتبارها الركائز الأساسية للنمو المستدام في الاقتصاد الحديث.