كتاب

التشغيل أولاً… مفتاح إصلاح سوق العمل

يقاس نجاح الاقتصادات الحديثة بقدرتها على خلق فرص العمل أكثر من قياسه بعدد العاطلين عن العمل. فالتشغيل لا يعني مجرد توفير وظيفة، بل يعكس قوة الاستثمار، وارتفاع الإنتاجية، وكفاءة بيئة الأعمال، وقدرة الاقتصاد على استيعاب موارده البشرية وتحويلها إلى قيمة مضافة. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الأردني اليوم ليس ارتفاع البطالة بقدر ما هو ضعف قدرة الاقتصاد على التشغيل.
لقد ركزت السياسات الاقتصادية خلال السنوات الماضية على معالجة نتائج المشكلة أكثر من معالجة أسبابها. فتم إطلاق العديد من برامج التدريب والتأهيل والتشغيل المؤقت، إلا أن أثرها بقي محدودًا لأنها لم تعالج جوهر القضية، وهو ضعف الطلب على العمالة. فالاقتصاد لا يخلق الوظائف بقرارات إدارية، وإنما يخلقها عندما تتوسع الاستثمارات، وترتفع الإنتاجية، وتنمو القطاعات القادرة على المنافسة.
ويؤكد هذا الواقع أن الأردن لا يعاني من نقص في رأس المال البشري، بل يمتلك قاعدة شبابية متنامية. فقد ارتفع عدد السكان في سن العمل من 3.5 مليون نسمة عام 2010 إلى نحو 5.8 مليون نسمة عام 2025، وهو ما يمثل فرصة اقتصادية كبيرة إذا نجح الاقتصاد في استيعابها، لكنه قد يتحول إلى تحدٍ إذا بقيت قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل محدودة.
لكن المفارقة أن هذه الزيادة الكبيرة في عرض العمل لم تترافق مع نمو مماثل في الطلب عليه. فمعدل المشاركة الاقتصادية لم يشهد تحسنًا يُذكر، إذ انخفض من 39% عام 2016 إلى 38% عام 2025، في حين لم تتجاوز نسبة المشتغلين نحو 30% من السكان في سن العمل. وتعكس هذه الأرقام حقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن المشكلة لا تكمن في عدد الراغبين في العمل، وإنما في محدودية النشاط الاقتصادي القادر على استيعابهم.
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها، تراجع مشاركة النساء المتعلمات في سوق العمل. فمن غير المنطقي اقتصاديًا أن تنخفض مشاركة الأردنيات الحاصلات على مؤهل جامعي من 63% عام 2010 إلى 39% عام 2025، في الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات التعليم. وهذا يعني أن الاقتصاد لا يستثمر بالشكل الكافي في رأس المال البشري الذي أنفق عليه لسنوات طويلة، مما يمثل خسارة مباشرة للإنتاجية والنمو.
كما أن الشباب يواجهون تحديًا لا يتمثل فقط في الحصول على الوظيفة الأولى، بل في غياب قنوات انتقال فعالة بين التعليم وسوق العمل. فارتفاع معدلات عدم التشغيل بين الشباب، خاصة في الفئة العمرية (20–24 سنة)، يعكس ضعف الترابط بين الجامعات والقطاع الخاص، وقلة فرص التدريب العملي، وتأخر اكتساب الخبرة. لذلك فإن برامج التلمذة المهنية، والتدريب أثناء العمل، وربط التعليم باحتياجات السوق، أصبحت ضرورة اقتصادية وليست مجرد برامج اجتماعية.
إن رفع معدلات التشغيل يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير الاقتصادي. فخلق فرص العمل يبدأ من تحسين بيئة الاستثمار، وتخفيض كلفة ممارسة الأعمال، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الصناعة، والتكنولوجيا، والخدمات القابلة للتصدير. فكل مشروع إنتاجي جديد يولد طلبًا على العمالة، وكل زيادة في الصادرات تعني توسعًا في الإنتاج، وبالتالي توسعًا في التشغيل.
وفي الوقت نفسه، يمتلك الأردن فرصة حقيقية للاستفادة من التحولات العالمية في أنماط العمل. فالاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد يفتحان أسواقًا جديدة أمام الكفاءات الأردنية، ويمنحان النساء والشباب فرصًا أكبر للمشاركة الاقتصادية دون التقيد بالموقع الجغرافي أو أنماط العمل التقليدية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تشريعات أكثر مرونة، واستثمارات في البنية الرقمية، وبيئة أعمال تشجع الابتكار وريادة الأعمال.
إن إصلاح سوق العمل الأردني يجب أن يبدأ من التشغيل، لأنه المؤشر الحقيقي على سلامة الاقتصاد. فكلما ارتفع الاستثمار، وتحسنت الإنتاجية، وزادت تنافسية القطاع الخاص، ارتفعت القدرة على خلق فرص عمل مستدامة. وعندها يصبح التشغيل نتيجة طبيعية للنمو الاقتصادي، وليس هدفًا تسعى إليه الحكومات عبر برامج مؤقتة. ومن هنا، فإن بناء اقتصاد يولد الوظائف بصورة مستمرة هو الطريق الأكثر استدامة لتعزيز النمو، ورفع مستويات الدخل، وتحسين جودة الحياة في الأردن.