ان الاتجار بالأعضاء البشرية، ورغم أنه أقل انتشاراً من غيره، فإنه يظل من أبشع الجرائم، إذ يُستغل الفقراء والمحتاجون أو يُخدع الضحايا بوعود كاذبة، بينما تشهد بعض الحالات جرائم جسيمة لاستخراج أعضاء بشرية بصورة غير مشروعة، في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية. كما تندرج تحت مفهوم الاتجار بالبشر جرائم الزواج القسري، والتسول القسري، وتجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، وإجبار الأشخاص على ارتكاب الجرائم المختلفة ، وهي جميعها صور مختلفة لاستغلال الإنسان وتحويله إلى وسيلة لتحقيق الربح.
ولا يزال الأطفال من أكثر الفئات تعرضاً لهذه الجريمة. وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أنهم يمثلون نسبة كبيرة من الضحايا المكتشفين عالمياً، وقد بلغت نسبتهم نحو 38% في أحدث التقارير، بينما ترتفع هذه النسبة بصورة أكبر في بعض مناطق أفريقيا التي تعاني النزاعات، والفقر، وضعف مؤسسات الدولة. أما في تقارير سابقة فقد تراوحت نسبتهم في بعض الإحصاءات بين خمس الضحايا وربعهم، وهو ما يعكس اختلاف السنوات ومناطق الرصد، لكنه يؤكد حقيقة واحدة، وهي أن الأطفال يظلون من أكثر الفئات هشاشة أمام هذه الجريمة. ويُجبر بعض الأطفال على العمل في الحقول الزراعية لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، أو في المناجم الخطرة، أو في المصانع غير النظامية، أو على التسول في الشوارع، أو يُستغلون في ارتكاب الجرائم المنظمة، بينما يُحرمون من أبسط حقوقهم في التعليم والرعاية والحياة الكريمة.
لا تقتصر معاناة الضحايا على الأطفال وحدهم، فالملايين من العمال المهاجرين يغادرون أوطانهم طوعاً بحثاً عن فرصة رزق تحفظ لهم ولأسرهم حياة كريمة. ويأتي كثير منهم من الهند، وباكستان، وغيرها من الدول الآسيوية، متجهين إلى عدد من الدول العربية والآسيوية أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية. غير أن بعضهم يتحول إلى ضحايا عندما تُحتجز جوازات سفرهم، أو تُؤخر أجورهم لأشهر، أو يُجبرون على العمل في ظروف قاسية، قد تصل في بعض المناطق إلى درجات حرارة مرتفعة جداً، دون راحة أو حماية كافية. وعندما تقترن هذه الممارسات بالإكراه، أو الاستغلال، أو سلب الحرية، فإنها قد ترقى إلى صور من صور العمل الجبري أو الاتجار بالبشر وفقاً للمعايير الدولية.
كما لا تزال ظاهرة تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة تمثل إحدى أبشع صور الاتجار بالبشر. ففي عدد من مناطق النزاع حول العالم، يُختطف الأطفال أو يُستدرجون أو يُجبرون على حمل السلاح، أو نقل الذخائر، أو القيام بأعمال المراقبة، أو تقديم الخدمات للمجموعات المسلحة.
لكن الجريمة لم تكتفِ بتغيير أساليبها، بل دخلت العصر الرقمي بكل ما يحمله من فرص ومخاطر. فإذا كانت شبكات الاتجار بالبشر قد استغلت السفن والقوافل والحدود في الماضي، فإنها اليوم تستغل الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بالقدر نفسه من الاحتراف، حتى أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى الضحايا دون أن تغادر مقارها. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات للتعارف أو تبادل الأخبار، بل أصبحت في بعض الحالات وسيلة تستغلها العصابات لاستدراج الضحايا عبر إعلانات الوظائف الوهمية، أو عروض الدراسة والسفر، وغيرها مستهدفة الأطفال، والمراهقين، والشباب، والباحثين عن العمل. وغالباً ما تبدأ القصة برسالة تبدو عادية، لتنتهي بالابتزاز، أو الاستغلال، أو الاختفاء...يتبع في الجزء الاخير...