كتاب

القطاع الخارجي الأردني بين استقرار الحساب الجاري وتحديات المستقبل

لطالما شكّل الحساب الجاري أحد أبرز مواطن الضعف في الاقتصاد الأردني، نظراً لاعتماد المملكة على استيراد الطاقة والسلع الرأسمالية والوسيطة، مقابل قاعدة إنتاجية تتحسن ببطىء. لذلك كان أي ارتفاع في أسعار النفط أو تراجع في الصادرات والسياحة ينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات ويزيد الضغوط على الاقتصاد. إلا أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن القطاع الخارجي بدأ يدخل مرحلة أكثر توازناً، نتيجة تحسن هيكله وليس فقط تحسن أرقامه.
ويعد الحساب الجاري المؤشر الأهم لقياس سلامة القطاع الخارجي، لأنه يعكس الفرق بين ما يحققه الاقتصاد من إيرادات خارجية وما ينفقه على الواردات والخدمات والتحويلات. وخلال عام 2024 بلغ عجز الحساب الجاري 5.9% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ العجز المعدل دورياً 4.3%، وهو مستوى يقترب كثيراً من المستوى الذي يعتبره صندوق النقد الدولي متوافقاً مع أساسيات الاقتصاد الأردني والبالغ نحو 4% من الناتج المحلي. ولذلك خلص الصندوق في مراجعاته الأخيرة إلى أن الوضع الخارجي للأردن أصبح متوافقاً بصورة عامة مع الأساسيات الاقتصادية والسياسات المرغوبة، وهو تقييم يحمل دلالة مهمة على تحسن قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الخارجية بصورة أكثر استدامة.
ولا يعود هذا التحسن إلى عامل واحد، بل إلى تغير تدريجي في هيكل مصادر النقد الأجنبي. فقد سجلت الصادرات السلعية - كما اشرنا في مقال سابق- أداءً قوياً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت مساهمتها من 20.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى 26.2% عام 2022، واستقرت عند 24.9% عام 2024، وهو ما يعكس قدرة القطاع الإنتاجي على التوسع رغم التحديات الإقليمية. كما أصبح هيكل الصادرات أكثر تنوعاً مع تزايد مساهمة الصناعات التحويلية والمنتجات غير التقليدية، وهو ما يقلل من الاعتماد على صادرات المواد الخام وحدها.
وفي الوقت نفسه، واصل قطاع السياحة استعادة مكانته كمصدر رئيس للعملات الأجنبية. فقد بلغت إيرادات السياحة ما يعادل 13.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، بينما وصلت القيمة المضافة للقطاع إلى 6% من الناتج المحلي. كما حققت الأشهر الستة الأولى من عام 2025 إيرادات سياحية بلغت نحو 3.7 مليار دولار، كان نحو 49% منها من السياح العرب، وقرابة 30% من الأردنيين المقيمين في الخارج، وهو ما يعكس أهمية الأسواق الإقليمية في دعم القطاع السياحي.
وتبقى تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج أحد أهم عناصر الاستقرار الخارجي، إذ بلغت نحو 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، محافظة على دورها في دعم الاستهلاك المحلي وتوفير مصدر مستقر للعملات الأجنبية، حتى في الفترات التي تتراجع فيها التجارة أو السياحة.
كما أسهم الاستثمار الأجنبي المباشر في تعزيز متانة الحساب الجاري. فقد بلغت تدفقاته 1.64 مليار دولار خلال عام 2024، بينما وصل الرصيد التراكمي للاستثمارات الأجنبية إلى نحو 44.1 مليار دولار، مع استثمارات قادمة من أكثر من 124 دولة، الأمر الذي يعكس استمرار ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأردني رغم الظروف الإقليمية غير المستقرة. والأهم أن تمويل عجز الحساب الجاري أصبح يعتمد بدرجة أكبر على التدفقات غير المولدة للدين، إذ ارتفعت نسبة تغطية العجز من 54.8% خلال الفترة 2015-2019 إلى 67.9% خلال الفترة 2020-2024، وهو تحول نوعي في هيكل التمويل الخارجي يقلل من الاعتماد على الاقتراض ويعزز الاستدامة المالية.
ومن أهم التحولات التي شهدها القطاع الخارجي الإصلاحات في قطاع الطاقة. ففاتورة الطاقة كانت تاريخياً أحد أكبر أسباب العجز التجاري، إلا أن تنويع مصادر الطاقة والتوسع في استخدام الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة خففا من هذا العبء، حيث انخفضت فاتورة مستوردات الطاقة من 45.8% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 إلى 42.3% عام 2023، واستقرت عند 43.4% عام 2024، رغم استمرار التقلبات في أسعار الطاقة العالمية. ولم يقتصر أثر ذلك على الميزان التجاري، بل امتد إلى خفض كلف الإنتاج الصناعي وتحسين تنافسية الصادرات الأردنية.
ومن عناصر القوة أيضاً استمرار ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، والتي تغطي أكثر من ثمانية أشهر من مستوردات المملكة، كما تتجاوز 100% من معيار كفاية الاحتياطيات المعتمد لدى صندوق النقد الدولي، وهو ما يوفر شبكة أمان مهمة في مواجهة الصدمات الخارجية، ويعزز الثقة باستقرار سعر صرف الدينار الأردني.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحديات لم تختفِ. فما يزال الاقتصاد يعتمد على استيراد جانب كبير من احتياجاته من السلع الرأسمالية والوسيطة، كما تبقى التطورات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة العالمية عوامل مؤثرة في أداء القطاع الخارجي. لذلك فإن الحفاظ على الاستقرار يتطلب الاستمرار في توسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وجذب المزيد من الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الأردني.
لقد أثبت الاقتصاد الأردني خلال السنوات الأخيرة أن تحسين الحساب الجاري لا يتحقق عبر تقليص الواردات فقط، بل عبر بناء مصادر مستدامة للنقد الأجنبي تعتمد على التصدير والسياحة والتحويلات والاستثمار. وإذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية بالوتيرة الحالية، فإن القطاع الخارجي لن يكون مجرد خط دفاع لحماية الاقتصاد من الصدمات، بل قد يتحول إلى أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.