خبراء يدعون إلى ربط سياسات التعليم العالي بمتطلبات سوق العمل
الوظيفة الحكومية لم تعد المسار الطبيعي في ظل تغير الاقتصاد
في الوقت الذي تتزايد فيه مطالب قدامى الخريجين بالحصول على فرص عمل، تتجه الأنظار إلى جذور المشكلة التي لم تعد تقتصر على محدودية التعيينات الحكومية، بل تمتد إلى منظومة التعليم، والتخطيط للموارد البشرية، ومواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات سوق العمل.
ويرى خبراء أن معالجة هذا الملف تتطلب الانتقال من الحلول التقليدية إلى سياسات تشغيل أكثر استدامة، تقوم على تطوير المهارات، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإعادة توجيه التعليم نحو التخصصات المستقبلية.
وقال الكاتب والمحلل الدكتور فيصل تايه إن قضية قدامى الخريجين لا ينبغي أن تُختزل في عدد الوظائف المتاحة أو سنوات انتظار التعيين، بل يجب النظر إليها باعتبارها انعكاساً لتحدٍ أوسع يتعلق بمدى قدرة منظومة التعليم والتخطيط الوطني على تحقيق المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
وأوضح أن السؤال الحقيقي لم يعد يتمثل في وجود وظائف كافية لجميع الخريجين، وإنما في مدى انسجام التخصصات الأكاديمية مع التحولات الاقتصادية ومتطلبات سوق العمل، مشيراً إلى أن الوظيفة الحكومية لم تعد المسار الطبيعي الذي ينتظر الخريج بعد حصوله على الشهادة، في ظل تغير طبيعة الاقتصاد وظهور قطاعات جديدة تعتمد على المهارة والتكنولوجيا.
وأضاف في حديث لـ «الرأي» أن المشكلة لا تكمن في الخريجين أنفسهم، وإنما في الفجوة المتراكمة بين أنماط التعليم التقليدية واحتياجات الاقتصاد الحديث، حيث أدى استمرار الإقبال على بعض التخصصات المشبعة إلى تراكم أعداد الباحثين عن العمل، في مقابل وجود طلب متزايد على تخصصات ومهارات جديدة.
وأكد تايه أن إعادة النظر في التخصصات الجامعية الراكدة أصبحت ضرورة وطنية، داعياً إلى ربط سياسات التعليم العالي باحتياجات سوق العمل.
كما شدد على أهمية برامج التدريب والتأهيل المهني، والشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص، وتطوير المهارات الرقمية والعملية، إلى جانب تعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني منذ المراحل الدراسية المبكرة، بما يساعد الطلبة على اختيار تخصصات تتوافق مع احتياجات السوق.
من جانبه، قال خبير الإدارة العامة وأمين عام وزارة تطوير القطاع العام الأسبق الدكتور عبدالله محمد القضاة إن أزمة قدامى الخريجين تعكس اختلالا هيكليا في منظومة التخطيط للموارد البشرية، موكدا أن القطاع العام لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من الباحثين عن العمل، في ظل توجهات الدولة نحو تطوير الإدارة العامة، وترشيق الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته.
وأوضح القضاة في حديث لـ«$» أن فاتورة الرواتب تستحوذ على نسبة كبيرة من الموازنة العامة، الأمر الذي يجعل التوسع في التوظيف الحكومي خياراً غير مستدام، مبيناً أن أي زيادة غير مدروسة في التعيينات لن تؤدي إلا إلى ترحيل المشكلة إلى المستقبل.
وأشار إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في البطالة الهيكلية الناتجة عن عدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، إذ انتقل سوق العمل من الاعتماد على الأقدمية والمؤهل الأكاديمي إلى التركيز على الكفاءة، والمهارات الناعمة، والخبرات التقنية، والتنافسية.
وأكد القضاة ضرورة الانتقال من سياسة «إدارة البطالة» إلى «هندسة التشغيل»، من خلال إعادة تأهيل خريجي التخصصات الراكدة، وإكسابهم مهارات جديدة تتناسب مع التحولات الرقمية، إلى جانب اعتماد الكفاءة والجدارة معياراً أساسياً في التعيين، مع توفير برامج تدريب مجانية ترفع جاهزية الخريجين للمنافسة.
واقترح إنشاء مجلس أعلى للتشغيل والتخطيط المستقبلي يضم الجهات المعنية بالتعليم والعمل والقطاع الخاص، يتولى قياس احتياجات سوق العمل بصورة دورية، وتوجيه سياسات القبول الجامعي وفقاً لها.
ولفت القضاة أن معالجة أزمة قدامى الخريجين تتطلب بناء نموذج وطني جديد للتشغيل، يقوم على المواءمة بين التعليم والاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص.
التخصصات الراكدة والمهارات الجديدة في صلب أزمة "قدامى الخريجين"
10:52 14-7-2026
آخر تعديل :
الثلاثاء