كتاب

رماد الجنازة ونيران الحرب

نُثر رماد جنازة المرشد خامنئي، فهل طُويت مرحلة أم هي عتبة جديدة لصراع سيطول؟ قد يبدو المشهد مسرحيًا عبثيًا، لكن الواقع ثقيل ومكتنز بالغموض وتراكم الاحتمالات، نعم التفاصيل لم تتغير كثيرًا منذ شهور، ويكاد يكون الإيقاع السياسي والعسكري ذات السياق، لكن علينا أن نأخذ كل ذلك في إطار الإنهاك السياسي والعسكري أيضًا، هو نزف متواصل عالي الكلفة، غير أن البراعة تكمن في كبت الألم والتظاهر بالصلابة والصمود، ولكن إلى أي مدى سيصمد كل ذلك؟
إيران تعي أن أي اتفاق طويل أو متوسط المدى هو تأسيس لعقود طويلة قادمة، لذا فهي لا ترغب بالتفريط بأهدافها في مضيق هرمز أو تقديم تنازلات كبرى في الملف النووي والصواريخ والأذرع، فهذه كلها ركائز استراتيجية تكفل الحياة للنظام والحرس الثوري إقليميًا وفي الداخل الإيراني، وهو أمر تدركه أمريكا وتسعى إلى ألّا تسمح به.
يعد عامل الزمن حاسمًا لكلا الطرفين وإن بشكل متناقض، إيران تعول على مرور الوقت، وكسب الزمن لصالحها، وتدرك أن بدء الحملة المبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية ليس بالبعيد، وأن الأوضاع في الداخل الأمريكي لا تسير لصالح ترامب على المدى الطويل، لذا فإن حالة اللاسلم واللاحرب أكثر فائدة لإيران العسكرية من التوصل إلى اتفاق لا يخدم مصالح إيران الاستراتيجية، وهو أمر قد لا يتفق معه تمامًا الساسة الإيرانيون من أمثال بزشكيان وعراقجي، ونسبيًا قاليباف، لكن تأثير هذا الثلاثي لا يعد حاسمًا، بل كثيرًا ما تبين أنه مغلوب على أمره، ولا حول له ولا قوة، وقد توضح ذلك في أكثر من موقف وأكثر من تصريح.
الزمن لدى الجانب الأمريكي مختلف، فالرئيس الأمريكي يسعى لإنجاز اتفاق سريع وحاسم نسبيًا، وقد ضغطت الإدارة الأمريكية بأكثر من وسيلة لإنجاز اتفاق ما يكون مرضيًا لها مع تنازلات مرحلية هنا وهناك، لكن كانت تواجه هذه الرغبة الملحة بما سمي بالتعنت الإيراني والتمترس حول محاولة فرض واقع جديد في المضيق محل النزاع، والتملص من كثير من الاستحقاقات في الملف النووي، وإعطاء المطالبة بالإفراج عن الأموال الإيرانية أولوية واضحة، وهنا تتمظهر المعادلة الضدية بين تبطيء الزمن إيرانيًا وتسريع الزمن أمريكيًا، وكلاهما يدرك مرامي الطرف الآخر، لذا فإن تبادل الضربات وتوسيع نطاقها بين فترة وأخرى هو تعبير عن تسخين حبال التواصل، وكلما فترت محاولات التفاوض، ازداد الحصار شراسة.
يتضح مما سبق أن التأزيم في طريقه للإعلان عن نفسه أكثر، فحلف الناتو أصبح أكثر تفهمًا للحالة الأمريكية، وأكثر تقبلًا للمؤازرة والدعم بشكل أكبر من التردد السابق، وإسرائيل من جانبها تعمل على إذكاء نيران الحرب، وتقلل من جدوى المفاوضات ونجاعة الحصار، وهي قناعة تحاول بكل السبل نقلها إلى الجانب الأمريكي، ويبدو أن فشل المفاوضات في إحداث أي اختراق حقيقي حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم، دفع ترامب إلى قناعة قريبة من القناعة الإسرائيلية، فتخلى ترامب عن مذكرة التفاهم وأعلن نهاية وقف إطلاق النار، وهي نتائج لا تبدو مفاجئة بناءً على السياق السابق.
لا يخفى على أحد أن إيران كانت من أقطاب هذا التأزيم، وكأنها تسعى إلى إذكاء الصدام العسكري بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا، لكن هل هي تسعى إلى ذلك فعلًا؟ أم أنها تعول على تغير جذري في المفهوم الأمريكي للصدام؟ وبالتالي الانسحاب التكتيكي البطيء من حتمية الحرب، وبالتالي انتصار إيران في نهاية المطاف، أم أن تعنتًا أمريكيًا فعليًا وضع إيران في أتون خيارات صعبة، إما تنازلات جذرية مؤذية، أو مواجهة عسكرية مفتوحة غير مأمونة النتائج؟
لا شك أن حسمًا ما قادم، وأن تحقيق منجز أمريكي مهما علت كلفته هو خيار يكاد يكون وحيدًا مقابل الإقرار بفشل المهمة الأمريكية، وهذا الواقع يجعل من إيران اليوم أمام خيارات بالغة الصعوبة ونتائج مؤذية، خاصة في ظل غياب التفكير والممارسة السياسية في الإدارة الإيرانية.