كتاب

الصناعة قاطرة النمو المقبلة في الاردن

على مدار سنوات طويلة، ارتبط الحديث عن الاقتصاد الأردني بقطاعات الخدمات والتجارة والسياحة، بينما بقي القطاع الصناعي في كثير من الأحيان خارج دائرة الاهتمام مقارنة بقطاعات أخرى. إلا أن المؤشرات الاقتصادية الأخيرة تكشف تحولاً مهماً في بنية الاقتصاد الأردني، يتمثل في عودة الصناعة التحويلية لتتصدر محركات النمو الاقتصادي، ليس فقط من حيث مساهمتها المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي بل أيضاً من خلال دورها المتزايد في دعم الصادرات والاستثمار والتشغيل. هذه العودة تعكس تحولاً مهماً في الاقتصاد الأردني قد يكون له دور محوري في تحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
أحدث البيانات تشير إلى أن مساهمة الصناعة التحويلية في النمو الاقتصادي شهدت تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة بعد فترة طويلة من التراجع النسبي. كما أظهرت بيانات الربع الأول من عام ٢٠٢٦ أن الصناعة التحويلية كانت من أكبر مساهمي النمو الاقتصادي، حيث استحوذت على نحو 30% من إجمالي مساهمة القطاعات الاقتصادية في نمو الناتج المحلي الإجمالي. هذه النتيجة تحمل دلالات اقتصادية مهمة، لأن الاقتصاديات التي تعتمد على قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة مرتفعة تكون أكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد بصورة رئيسية على الاستهلاك أو الأنشطة الخدمية منخفضة الإنتاجية.
كل ذلك يدفعنا للتساؤل لماذا تعتبر الصناعة مهمة؟ ببساطه تكمن أهمية الصناعة التحويلية في أنها تمثل أحد أكثر القطاعات قدرة على خلق الروابط الاقتصادية مع بقية الأنشطة. فعندما يتوسع مصنع ما، لا يقتصر أثر ذلك على زيادة الإنتاج فقط، بل يمتد إلى النقل والتخزين والخدمات اللوجستية والتمويل والتأمين والخدمات المهنية والتجارة. وهذا ما يعرف في الاقتصاد بمضاعف الأثر الاقتصادي.
وتظهر تقديرات البنك المركزي الأردني أن قطاع الصناعة التحويلية يمتلك قيمة مضافة عاليه ومضاعف اقتصادي مرتفع بين القطاعات الرئيسية في المملكة، حيث يبلغ المضاعف الكلي نحو 2 مرة. وهذا يعني أن كل دينار إضافي من النشاط الصناعي يولد ما يزيد على دينارين ونصف من النشاط الاقتصادي المباشر وغير المباشر. هذه النسبة تفسر لماذا تركز الاقتصادات الناجحة عادة على تطوير قاعدة صناعية قوية باعتبارها محركاً رئيسياً للنمو والتشغيل وزيادة الصادرات.
من الملفت بأنه خلال العقد الماضي، واجه القطاع الصناعي الأردني مجموعة من التحديات الصعبة. فالأزمات الإقليمية أدت إلى إغلاق بعض الأسواق التقليدية وتراجع حركة النقل البري. كما ارتفعت تكاليف الطاقة لفترات طويلة، وواجهت الشركات الصناعية منافسة متزايدة من الواردات الأجنبية، إلى جانب تحديات التمويل وسلاسل التوريد.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً تدريجياً في هذه المعادلة. فإعادة فتح بعض الأسواق الإقليمية، وتحسن بيئة الطاقة، وتوسع الاتفاقيات التجارية، إضافة إلى جهود دعم الصادرات، ساهمت في تعزيز قدرة الصناعة الأردنية على استعادة جزء من دورها الاقتصادي. كما لعبت جائحة كورونا دوراً غير مباشر في إعادة تقييم أهمية التصنيع المحلي، بعدما أظهرت الأزمة هشاشة الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية.
توكد الأرقام ايضا ان الجزء الأكبر من الصادرات الأردنية ذات القيمة المضافة يأتي من القطاع الصناعي، سواء في الصناعات الدوائية أو الكيماوية أو الأسمدة أو الصناعات الغذائية أو الملابس أو المنتجات الهندسية. وتظهر البيانات أن الصادرات الأردنية واصلت النمو خلال السنوات الأخيرة، وأن مساهمة الصادرات في الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.
الأهمية الاقتصادية لذلك لا تكمن فقط في زيادة الإيرادات التصديرية، وإنما في توفير العملات الأجنبية وتقليل الضغوط على الحساب الجاري وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي. ومن هنا فإن أي استراتيجية تستهدف رفع النمو الاقتصادي في الأردن ستكون مرتبطة بصورة مباشرة بتوسيع القاعدة الصناعية والتصديرية في الوقت نفسه.
لهذا تركز رؤية التحديث الاقتصادي على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية والصناعات الكيماوية المتقدمة والتصنيع المرتبط بالطاقة الخضراء. هذه القطاعات تمتلك قدرة أكبر على تحقيق عوائد مرتفعة وتوفير وظائف ذات مهارات وأجور أعلى مقارنة بالصناعات التقليدية.
مع كل ذلك ستبقى الإنتاجية هي كلمة السر، حيث أن مستقبل الصناعة الأردنية مرتبط بالإنتاجية أكثر من ارتباطه بالتوسع التقليدي. وتشير البيانات ايضا إلى تحسن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، وهو تطور إيجابي يعكس أن الاقتصاد بدأ يستفيد تدريجياً من الإصلاحات الهيكلية والاستثمارات الجديدة.
نعود لنؤكد على ان الاستثمار الصناعي والمشاريع الكبرى هو المفتاح، فأحد العناصر المهمة في المرحلة المقبلة يتمثل في المشاريع الاستثمارية الكبرى التي تعمل المملكة على استقطابها وتنفيذها. فهذه المشاريع لا توفر استثمارات مباشرة فقط، وإنما تخلق طلباً إضافياً على المنتجات الصناعية المحلية وتوسع سلاسل التوريد الداخلية. كما أن مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والنقل يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للصناعة الوطنية وتزيد من قدرتها التنافسية. وفي حال نجاح هذه المشاريع في الوصول إلى مراحل التنفيذ الفعلي، فإن أثرها على القطاع الصناعي قد يكون أكبر من أثرها المباشر على الناتج المحلي الإجمالي.
وبرغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال الصناعة الأردنية تواجه مجموعة من التحديات. في مقدمتها ارتفاع كلف التمويل مقارنة ببعض الأسواق المنافسة، والحاجة إلى تطوير المهارات الفنية والتقنية، وتعزيز الابتكار، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخارجية. كما أن التطورات الجيوسياسية الإقليمية تظل عاملاً مؤثراً في حركة التجارة والاستثمار، وهو ما يتطلب استمرار العمل على تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية محددة. كذلك فإن المنافسة العالمية أصبحت أكثر شدة في ظل السياسات الصناعية الجديدة التي تتبناها العديد من الدول لدعم صناعاتها الوطنية.
تكشف المؤشرات الاقتصادية الأخيرة أن الصناعة الأردنية لم تعد مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبحت أحد أهم محركات النمو في المملكة. فارتفاع مساهمتها في النمو الاقتصادي، ودورها المحوري في الصادرات، وتأثيرها الواسع على بقية القطاعات، يجعلها في قلب أي استراتيجية تستهدف رفع معدلات النمو والتشغيل خلال السنوات المقبلة. لكن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب الانتقال من مرحلة التعافي إلى مرحلة التوسع النوعي القائم على التكنولوجيا والإنتاجية والابتكار. فالمستقبل لن يكون للصناعات الأكبر حجماً فقط، بل للصناعات الأكثر قدرة على خلق القيمة المضافة والمنافسة في الأسواق العالمية. وفي حال نجح الأردن في استثمار هذه الفرصة، فإن الصناعة قد تتحول من قطاع داعم للنمو إلى قاطرة رئيسية تقود الاقتصاد نحو مرحلة جديدة من التنمية.