لا أحد يتكبر أو يتجبر أو يفرض شروطه، حتى لو كان لديه ترسانة نووية تكفي لإبادة العالم عدة مرات. بلجيكا تذل الولايات المتحدة وتخرجها من المنافسة بأربعة أهداف. وترامب، الذي أهان نصف رؤساء العالم، يقف خانساً لا يملك أن يتهدد أو يتوعد بكلمة.
النصر يعطي فرحاً وفخراً للأمة، والهزيمة لا تلحق إلا الأسف والحزن. لا قتل ولا تشريد ولا تدمير، ولا استيلاء على أراضٍ بالقوة. ولا أحد يخدع الجمهور فيدعي نصراً أو ينكر هزيمة. الأحداث لحظة بلحظة تحت النظر، يتابعها الجميع.
كرة القدم وحدها، من بين كل الرياضات، تحظى بالشعبية والمتابعة بلا حدود من كل الأعمار والفئات والاتجاهات. وحين تكون المنافسة دولية، يتوحد الشعب كله خلف فريقه الرياضي في نشوة وحماسة وطنية. يقفز الناس فرحاً، ويصفقون ويهللون لأن أحد أبنائهم سجل هدفاً في مرمى المنافس، وليس لأنه قصف هدفاً وقتل بشراً، وهو، بالمناسبة، عمل لا يتطلب اليوم، مع التفوق التقني، أي مهارة أو شجاعة أو فروسية، بل غالباً العكس.
الأردن دولة صغيرة تسبقها حوالي مئة دولة من حيث القوة والحجم والإمكانات. لكن في كرة القدم تحتل المرتبة 62 عالمياً، ومؤخراً تقدمنا لنصبح بين 48 فريقاً تأهل لكأس العالم، وكنا قريبين جداً من دور الـ32 الذي تأهل له من العرب فريقا المغرب ومصر. وكانت مصر على وشك أن تصعد إلى ربع النهائي مع المغرب في سابقة عربية تاريخية، إذ تقدمت على الأرجنتين بطلة العالم بهدفين، لولا نحس الدقائق العشر الأخيرة.
أعترف أنني لم أهتم يوماً بكرة القدم، بل كنت في مرحلة من العمر أتبنى تلك المقولة الثورية بأنها وسيلة لإلهاء الشعوب عن مشاكلها الحقيقية. لكن ها هو العمر يمر، والمشاكل لا تُحل، والبؤس لا ينتهي، فليكن للناس في وطنهم، مجاناً، مساحة للحب والفرح.
لم أكن أتابع الأندية، لا المحلية ولا الخارجية، وبالكاد أتوقف عند مباريات ربع النهائي لكأس العالم. إنما مؤخراً، مع تقدم الأردن في المنافسات الدولية مثل كأس آسيا، أصبحت أهتم بكرة القدم ومجريات المنافسات لفريقنا الوطني. وإذ قاد فريقنا الأردن إلى نهائيات كأس العالم، فقد أخذنا نتابع بشغف المباريات، وتحمسنا لبلدنا أولاً، ثم لمن بقي من العرب ثانياً، ثم لسود أفريقيا، وللفقراء والمهمشين من أي قارة. نفرح إذا فازوا، وليست كارثة إذا خسروا. ففي النهاية، الخسارة مستحقة إذا لم يكن الأداء على قدر التحدي، والشروط عادلة ومتساوية، والحكم صارم وواضح، لا يحابيك لأنك أبيض وثري، أو يجافيك لأنك فقير وأسود.
أيُّ كونٍ أجمل مما بين أيدينا لو كان العالم محكوماً بمعايير كرة القدم؟!