أكد خبراء اقتصاديون أن مشروع التوسعة الرابعة لشركة مصفاة البترول الأردنية يمثل استثمارًا استراتيجيًا يتجاوز حدود تطوير منشأة صناعية، ليشكل خطوة مهمة نحو تعزيز أمن الطاقة، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتحسين تنافسية القطاع الصناعي، ودعم مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن تلقي شركة مصفاة البترول الأردنية مؤشرات اهتمام أولية من جهات تمويل دولية يُعد إشارة إيجابية تعكس وجود ثقة مبدئية بالجدوى الاقتصادية لمشروع التوسعة الرابعة للمصفاة، خاصة بعد تحديث دراسات السوق وإعادة تقييم المشروع بما يتواءم مع المتغيرات في أسواق النفط العالمية.
وأكدت شركة مصفاة البترول أنها تلقت مؤشرات اهتمام أولية من جهات تمويلية، عن طريق عدد من متعهدي البناء المحتملين لمشروع التوسعة الرابعة لشركة مصفاة البترول «تحديث المصفاة»، إذ تضمنت الاهتمامات ترتيبات تمويل من خلال هيئات تمويل الصادرات (ECAs) ومؤسسات دولية.
وكشفت الشركة، في تقرير الاستدامة الخاص بها، أنَّه في ظل التغيرات والمعطيات الجديدة في السوق المحلية والأسواق العالمية للنفط الخام والمشتقات النفطية، حدَّثت الشركة دراسة السوق من خلال شركة استشارية متخصصة (Wood Mackenzie)، بحيث تمت إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية للمشروع من قبل مستشار إدارة المشروع (Technip)، وشركة متخصصة في دراسة قطاع التكرير.
وكشفت النتائج استمرار الجدوى الاقتصادية للمشروع وفقًا للنموذج المعدل، وأظهرت تحسن مؤشرات العائد الداخلي وتعزيز هوامش التكرير مقارنةً بالوضع التشغيلي الحالي.
وعملت الشركة، خلال شهر شباط الماضي، على التعاقد مع بنك وشركة فرنسيين كمستشار مالي للمشروع.
وبهدف اعتماد هيكل تمويلي يحقق قابلية الإغلاق المالي ضمن أفضل الشروط، تعمل الشركة على تقييم الخيارات المطروحة وشروط التمويل المقترحة، بالتنسيق مع مستشار إدارة المشروع، والمستشار المالي، والمستشارين القانونيين المحليين والدوليين.
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن مشروع التوسعة الرابعة لشركة مصفاة البترول الأردنية يمثل استثمارًا استراتيجيًا يتجاوز حدود تطوير منشأة صناعية، ليشكل خطوة مهمة نحو تعزيز أمن الطاقة، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتحسين تنافسية القطاع الصناعي، ودعم مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، مشيرًا إلى أن امتلاك مصفاة حديثة لم يعد مجرد مشروع صناعي، بل أصبح أحد مقومات الأمن الاقتصادي للدول، في ظل التحديات التي فرضتها جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات في البحر الأحمر والشرق الأوسط، والتي أثبتت أن الدول الأكثر قدرة على مواجهة الصدمات هي تلك التي تمتلك بنية تحتية قادرة على تأمين احتياجاتها من الطاقة بكفاءة واستدامة.
وأوضح الحدب أن أهمية المشروع تتعزز في ظل اعتماد الأردن على استيراد أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة الأولية، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الوطني أكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، مبينًا أن أي استثمار يرفع كفاءة قطاع التكرير المحلي، ويزيد القيمة المضافة للنفط المستورد، يُعد استثمارًا مباشرًا في الاستقرار الاقتصادي وتقليل المخاطر الخارجية.
وأشار الحدب إلى أن استمرار اهتمام هيئات تمويل الصادرات (ECAs) والمؤسسات التمويلية الدولية بالمشاركة في تمويل المشروع يحمل دلالة اقتصادية مهمة، إذ إن هذه الجهات لا تعتمد قراراتها التمويلية إلا بعد تقييم دقيق للجدوى الاقتصادية والمالية والفنية، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الدولية بسلامة المشروع وقدرته على تحقيق عوائد مستدامة، ويعزز، في الوقت ذاته، ثقة المستثمرين في البيئة الاستثمارية الأردنية.
وأضاف أن إعادة تصميم المشروع ليعمل بطاقة 73 ألف برميل يوميًا بدلًا من 120 ألف برميل يوميًا لا تمثل تقليصًا للمشروع كما قد يعتقد البعض، وإنما تعكس نهجًا اقتصاديًا يقوم على تعظيم العائد الاقتصادي على الاستثمار ومواءمة حجم المشروع مع احتياجات السوق المحلية، موضحًا أن إعادة التصميم أسهمت في خفض الكلفة الرأسمالية من نحو 3 مليارات دولار إلى حوالي 1.7 مليار دولار، أي بنسبة تقارب 43%، مع المحافظة على الأهداف الرئيسة للمشروع المتعلقة بتحسين الجودة ورفع الكفاءة التشغيلية.
وبيّن الحدب أن الدراسات التي أعدتها بيوت خبرة عالمية أكدت استمرار الجدوى الاقتصادية للمشروع، بل وتحسن مؤشرات العائد الداخلي وهوامش التكرير مقارنةً بالوضع الحالي، وهو ما يعني أن المشروع سيحقق قيمة اقتصادية أعلى لكل برميل نفط يتم تكريره، من خلال تحويل المنتجات النفطية الثقيلة منخفضة القيمة إلى منتجات خفيفة وعالية الجودة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
ولفت الحدب إلى أن من أبرز المؤشرات الفنية للمشروع ارتفاع مؤشر تعقيد المصفاة (Nelson Complexity Index) من 3.2 إلى 9.2 بعد تنفيذ التوسعة، وهو من أهم المؤشرات العالمية المستخدمة لقياس كفاءة المصافي، إذ إن ارتفاعه يعني زيادة قدرة المصفاة على إنتاج مشتقات ذات قيمة سوقية أعلى، وتحسين كفاءة التشغيل، ورفع الربحية، بما ينعكس، في النهاية، على زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وأكد الحدب أن من المهم توضيح أن مشروع التحديث لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض مباشر في أسعار البنزين أو الديزل، لأن أسعار المحروقات في الأردن ترتبط بأسعار المشتقات النفطية العالمية، وكلف الشحن والتأمين، وسعر الصرف، والضرائب والرسوم، وفق آلية التسعير الشهرية، إلا أن الأثر الاقتصادي الحقيقي للمشروع يتمثل في تعزيز أمن التزود بالمشتقات النفطية، وتحسين جودة الوقود، وتقليل مخاطر الانقطاع أو اضطرابات الإمدادات، وهو ما يسهم في تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن القطاع الصناعي سيكون من أكبر المستفيدين من المشروع، لأن الطاقة تمثل أحد أهم عناصر كلفة الإنتاج في العديد من القطاعات الصناعية، مثل الصناعات التعدينية، والكيماوية، والغذائية، والإنشائية، مبينًا أن كل تحسن في كفاءة قطاع التكرير وجودة المنتجات النفطية يسهم في رفع كفاءة العمليات الصناعية، وتقليل كلف التشغيل غير المباشرة، وتعزيز قدرة المنتجات الأردنية على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وأضاف أن المشروع يحمل بعدًا بيئيًا متقدمًا، إذ يستهدف إنتاج وقود مطابق لمواصفات Euro 5 وEuro 6، مشيرًا إلى أن المصفاة بدأت بالفعل، منذ عام 2023، بإنتاج ديزل Euro 5 منخفض الكبريت، الذي لا يتجاوز محتواه 10 أجزاء بالمليون، الأمر الذي يسهم في خفض انبعاثات أكاسيد الكبريت وتحسين جودة الهواء.
وأوضح أن المشروع يعتمد كذلك على أنظمة لاستخلاص الكبريت بكفاءة تتجاوز 99%، وإنشاء نظام Zero Liquid Discharge الذي يتيح إعادة استخدام المياه الصناعية بالكامل دون تصريفها إلى البيئة، إلى جانب استخدام الغاز الطبيعي بدلًا من زيت الوقود الثقيل في تشغيل الوحدات الإنتاجية، وهو ما يجعل المشروع متوافقًا مع أفضل الممارسات العالمية في مجالات الاستدامة والاقتصاد الأخضر.
وأكد الحدب أن الأثر الاقتصادي للمشروع لا يقتصر على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى الاقتصاد الكلي من خلال دعم سلاسل التوريد المحلية، وزيادة القيمة المضافة الصناعية، وتحفيز الشركات الوطنية العاملة في الخدمات الهندسية واللوجستية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مراحل التنفيذ والتشغيل، فضلًا عن نقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة إلى القطاع الصناعي الأردني.
وأشار إلى أن مشروع التوسعة الرابعة ينسجم بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي جعلت أمن الطاقة، وتعزيز تنافسية الصناعة، وجذب الاستثمارات النوعية، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، من أولويات المرحلة المقبلة.
واختتم الحدب بالتأكيد على أن نجاح مشروع التوسعة الرابعة لا يُقاس بعدد البراميل التي ستنتجها المصفاة، وإنما بقدرته على تعزيز أمن الطاقة، ورفع كفاءة الصناعة، وزيادة القيمة المضافة، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتحسين مرونة الاقتصاد الأردني في مواجهة الصدمات الخارجية، مشيرًا إلى أن الدول التي تستثمر اليوم في تحديث بنيتها التحتية للطاقة لا تبني مصافي أكثر تطورًا فحسب، بل تبني اقتصادًا أكثر قدرة على النمو والاستقرار والتنافسية خلال العقود المقبلة.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن تلقي شركة مصفاة البترول الأردنية مؤشرات اهتمام أولية من جهات تمويل دولية يُعد إشارة إيجابية تعكس وجود ثقة مبدئية بالجدوى الاقتصادية لمشروع التوسعة الرابعة للمصفاة، خاصة بعد تحديث دراسات السوق وإعادة تقييم المشروع بما يتواءم مع المتغيرات في أسواق النفط العالمية.
كما أضاف مخامرة أن الأهمية لا تكمن فقط في توفير التمويل لهذه التوسعة، وإنما في أن اهتمام مؤسسات التمويل والجهات الدولية عادةً ما يأتي بعد مراجعات فنية ومالية دقيقة، مما يمنح المشروع قدرًا أكبر من المصداقية أمام المستثمرين والقطاع المالي.
ومن منظور اقتصادي، لفت مخامرة إلى أن نجاح المشروع سينعكس على عدة محاور، أبرزها تعزيز أمن الطاقة في الأردن، وتقليل مخاطر الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية الجاهزة، ورفع كفاءة عمليات التكرير، وتحسين جودة المنتجات بما يتوافق مع المواصفات البيئية الحديثة.
وأضاف أن المشروع يسهم في زيادة القيمة المضافة للصناعة الوطنية، وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مرحلتي الإنشاء والتشغيل، وتنشيط قطاعات المقاولات والخدمات والنقل، وتحسين القدرة التنافسية لشركة مصفاة البترول ورفع هوامش ربحيتها، بما يدعم استدامة الشركة على المدى الطويل.
وذكر أنه، في الوقت ذاته، ينبغي التأكيد على أن مؤشرات الاهتمام الأولية لا تعني اكتمال التمويل أو اتخاذ القرار النهائي، وإنما تمثل خطوة مهمة في مسار المشروع. أما التحدي الرئيس، من وجهة نظره، فيتمثل في الوصول إلى هيكل تمويلي متوازن يضمن تنفيذ المشروع بكلفة تمويل مناسبة، مع الحفاظ على الاستدامة المالية للشركة وإدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار النفط والتحولات العالمية في قطاع الطاقة.
واختتم مخامرة بالتأكيد على أن تلقي مؤشرات اهتمام أولية من جهات تمويل دولية يُعد رسالة ثقة بالمشروع وبالاقتصاد الأردني، لكنه، في الوقت نفسه، يضع مسؤولية كبيرة على شركة مصفاة البترول لاستكمال الإغلاق المالي وفق أفضل الشروط. وإذا ما تم تنفيذ مشروع التوسعة الرابعة وفق الجدول المخطط، فإنه سيكون أحد أهم المشاريع الصناعية الاستراتيجية في الأردن خلال السنوات المقبلة، لما له من أثر مباشر في تعزيز أمن الطاقة، وتحفيز الاستثمار، ورفع كفاءة قطاع التكرير، ودعم النمو الاقتصادي.
وأكد ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن، المهندس إيهاب قادري، أن بروز اهتمامات أولية لتمويل مشروع تحديث مصفاة البترول يمثل مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا، لأننا لا نتحدث هنا عن مشروع توسعة تقليدي، بل عن مشروع يمس الأمن الطاقي، وكفاءة الصناعة، وتقليل الكلف على المدى الطويل.
ولفت إلى أن المصفاة تؤمّن حاليًا ما يقارب نصف احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية الجاهزة، وأن تحديثها يعني، عمليًا، تعزيز قدرة الأردن على تحسين نوعية المنتجات، ورفع كفاءة التكرير، وزيادة القيمة المضافة من البرميل الواحد، عبر تحويل المنتجات الثقيلة إلى مشتقات أخف وأكثر ربحية.
وأضاف أن إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية أظهرت استمرار جدوى المشروع وتحسن مؤشرات العائد الداخلي وهوامش التكرير، وهذا بحد ذاته مهم، لأنه يعني أن المشروع ما يزال مجديًا اقتصاديًا، رغم تغيرات السوق المحلية والعالمية.
وأشار إلى أن هذا المشروع يمثل انتقالًا في التفكير بقطاع الطاقة من مجرد تلبية الطلب إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية على أسس أكثر كفاءة واستدامة. فاعتماد طاقة إنتاجية بحدود 73 ألف برميل يوميًا، وربط المشروع بمعايير Euro 5 وEuro 6، والتحول إلى الغاز الطبيعي، واستخلاص الكبريت بكفاءة تتجاوز 99%، وإنشاء نظام Zero Liquid Discharge، كلها تعني أن التحديث لا يخدم الجانب التشغيلي فحسب، بل يعزز أيضًا البعد البيئي والتنافسي للمصفاة.
وأضاف أن نجاح إغلاق التمويل لهذا المشروع سيكون خطوة استراتيجية، لأنه لا يدعم شركة بعينها فحسب، بل يقوي إحدى الحلقات الأساسية في بنية الاقتصاد الأردني، ويمنح الأردن قدرة أكبر على إدارة ملف الطاقة بكفاءة أعلى ومرونة أكبر خلال السنوات المقبلة.