أوربان الثالث رجلٌ يقف على منصة إعلامية ما بعد حداثية مصممة بدقة بشكلها وألوانها، منصة تعيد صياغة نصوص العصور الوسطى، بعيدا عن الدكك الحجرية في عالم القرن الحادي عشر، وتتجلى في قاعة ملآى بالكاميرات الرقمية، وبالميكروفونات الخفية. يبدأ خطابه باسم "الدفاع عن الحضارة"، و" القيم الإنسانية الرفيعة، وحقوق الإنسان التي يجب أن تصان"، فتصفّق الجموع التي تمثل صدى الخطاب ذاته، الخطاب الذي صيغ في القرن الحادي عشر، الذي صيغ قبل قرون من أجل التخلص من الكفار الأشرار، والتطهر من الذنوب، ولكنه يحمل الآن شعارات جديدة: الحرية، والتخلص من الشر، انطلاقا من فكر أخلاقي، ورؤية تخليص البشر من الشرور، وعنف الأيدولوجيا، والديانات المؤسسة على عنف السيوف، والرغبة في القتل.
أوربان الثالث يخطب مذكرا بسلفه الحاضر، ويصور العلم مقسوما إلى فريقين: الخير المطلق، والشر المطلق. هنا تبدو الحرب عملا أخلاقيا لا بد منه، ويغدو العنف الذي يمارسه الخيرون عملا خارج دائرة النقد أو المساءلة، فهو عمل يستجيب لنداء الواجب الإنساني، عمل يجب أن ينظر إليه بوصفه فضيلة مقدسة. هنا يغدو الخوف المتخيل عقيدة، وتغدو السياسية لاهوتا جديدا، وتصبح اللغة الإعلامية المزخرفة والمصورة بذكاء عنصرا لحشد الجيوش، لا من أجل تخليص القبر المقدس، بل من أجل الحرية والديمقراطية والحفاظ على الحضارة الإنسانية في وجه الشر المستطير، والأشرار القتلة.
أوربان الثالث، قد لا يكون شخصا بعينه، بل نموذجٌ نمطي يتولد من رحم التاريخ، كلما بحثت السلطة الغاشمة عن تبرير أخلاقي للحرب. يتكرر في التاريخ كلما احتاجت السلطة إلى تبرير للحرب. هنا الآن يولد أوربان جديد يتدثر بثوب القداسة؛ ليمنح فعله بعدا دينيا أخلاقيا. وهو ليس بحاجة للتقنع بلباس التقوى العقدية، بل يظهر بصورة القائد الذي تؤمن به، وتجعل قتل الشر والأشرار، وفق رؤيته، عقيدة مقدسة.
في زمن الأقمار الصناعية، والذكاء الصناعي الفاحش، يمكن تحويل الخيال إلى واقع، والسياسة إلى عقدة لاهوتية، وكل قبيح إلى جمال فتان، وكل جميل إلى نموذج في القبح. اليوم لست بحاجة إلى حمار تركبه بالمقلوب، تدير وجهك إلى ذيله، بل تنادي بالانتصار على أعداء الحضارة، وتركز بنشر الديمقراطية. هنا الآن يُديّن الصراع، وتقدس القوة الغاشمة، ويستباح البشر.
هذا تماما ما يمكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيت أن يصدر كتابه بعنوان "الحملة الصليبية الأمريكية". هنا نجد أنفسنا أمام لغة لا تفسر، بل تعمل.