كتاب

حين تصبح الإنسانية لغة الدولة!

لم تكن الطائرة الأردنية التي حملت نحو مئة طبيب وخبير وفني إلى فنزويلا مجرد وسيلة نقل للمساعدات، بل كانت رسالة إنسانية تعبر آلاف الكيلومترات لتؤكد أن التضامن والإنسانية لا تعيقه الجغرافيا ولا تحده المسافات. ففي لحظات الكوارث، تتراجع الحسابات السياسية والاقتصادية أمام قيمة الإنسان، ويصبح إنقاذ حياة واحدة إنجازاً يفوق كل الاعتبارات الأخرى.
إن إرسال فرق متخصصة في الإنقاذ والعلاج يعكس امتلاك الأردن خبرات متراكمة في الاستجابة للكوارث، ويؤكد أن الاستثمار في الكفاءات الطبية والدفاع المدني ليس خدمة للمواطنين فحسب، بل مساهمة في الأمن الإنساني العالمي. فالدول تُقاس اليوم أيضاً بقدرتها على مد يد العون عندما يحتاجها الآخرون.
وتحمل هذه المبادرة دلالة أخلاقية عميقة؛ فهي تترجم المبادئ إلى أفعال، وتجسد فكرة أن البشر يشكلون أسرة واحدة، وأن آلام الشعوب لا ينبغي أن تُقابل باللامبالاة. فالطبيب الذي يعالج مصاباً، أو الخبير الذي ينتشل ناجياً من تحت الأنقاض، لا يسأل عن جنسية الضحية أو لغتها أو معتقدها، بل يرى إنساناً يستحق الحياة.
كما تسهم مثل هذه المبادرات في تعزيز صورة الأردن على الساحة الدولية بوصفه دولة تؤمن بالدبلوماسية الإنسانية، وهي القوة الناعمة التي تُبنى بالأفعال لا بالشعارات. فالمساعدات الإنسانية تترك أثراً في ذاكرة الشعوب قد يفوق أثر كثير من الاتفاقيات السياسية.
وفي عالم يشهد تصاعد الكوارث الطبيعية بفعل التغير المناخي، والأزمات الإنسانية المتلاحقة، والحروب، أصبحت الاستجابة السريعة جزءاً من مسؤولية المجتمع الدولي. وكل دولة تقدم خبراتها وإمكاناتها إنما تسهم في ترسيخ ثقافة التضامن العالمي، حيث لا يُترك المتضررون وحدهم في مواجهة مصيرهم.
ليست هذه المرة الأولى للنخوة الأردنية، فقد شاهدناها في كارثة غزة تمتد لسنوات طويلة من دون كلل، وفي زلازل تركيا والباكستان وإيران والمغرب وغيرها. انه الصندوق الهاشمي الذي لا يكل عن العطاء عندما تغلق كافة السبل أمام المنكوبين.
إن الطائرة الأردنية التي وصلت إلى فنزويلا تحمل أكثر من معدات طبية وفرق إنقاذ؛ إنها تحمل رسالة مفادها أن الإنسانية لا تعرف الحدود، وأن قيم الرحمة والتكافل تظل القاسم المشترك بين الشعوب مهما تباعدت المسافات واختلفت الثقافات.