كتاب

من اقتصاد الصمود إلى اقتصاد النمو: هل بدأت محركات الأردن الجديدة بالعمل؟

على مدى أكثر من عقد، انشغلت السياسات الاقتصادية في الأردن بهدف رئيسي يتمثل في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي في مواجهة سلسلة من الصدمات غير المسبوقة. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بقدرة الاقتصاد على الصمود، بل بقدرته على تحقيق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة. فمرحلة إدارة الأزمات تقترب تدريجياً من نهايتها، بينما تبدأ مرحلة جديدة عنوانها البحث عن محركات نمو قادرة على خلق فرص العمل ورفع الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة.
تكمن أهمية هذا التحول في أن الاقتصاد الأردني لم يعد يواجه فقط تحدي الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، بل تحدي تحويل هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي قادر على استيعاب مئات الآلاف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
تشير الأرقام الرسميه إلى أن هيكل النمو الاقتصادي في المملكة شهد تغيرات جوهرية خلال العقدين الماضيين، ففي الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، كان النمو يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والاستثمار، وحقق الاقتصاد متوسط نمو بلغ نحو 6% بين عامي 2004 و2009. لكن الأزمات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة أدت إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وانخفاض متوسط النمو إلى 2.7% خلال الفترة 2010-2014 ثم إلى 2.1% خلال الفترة 2015-2019.
هذا التراجع لم يكن مجرد انعكاس لدورات اقتصادية طبيعية، بل نتيجة مباشرة لتغير البيئة الاقتصادية المحيطة بالأردن. فقد تراجعت حركة التجارة الإقليمية، وأغلقت أسواق رئيسية، وارتفعت كلف الطاقة، وتزايدت الضغوط المالية، ما أثر في قدرة الاقتصاد على التوسع بالوتيرة التي شهدها في العقد الأول من الألفية.
لكن ما يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة هو ظهور مؤشرات على تغير تدريجي في طبيعة النمو الاقتصادي. فبعد جائحة كورونا، بدأت مساهمة الاستثمار في النمو الاقتصادي بالارتفاع مجدداً، كما عادت الصناعة التحويلية لتلعب دوراً أكبر في دعم النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع استمرار توسع قطاعات الخدمات.
هذا التحول يحمل دلالات مهمة. فالاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستهلاك تواجه عادة حدوداً واضحة للنمو، بينما تتمتع الاقتصادات التي يقودها الاستثمار والإنتاج بقدرة أكبر على تحقيق نمو مستدام. لذلك فإن ارتفاع مساهمة الاستثمار يمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن جودة النمو الاقتصادي وليس فقط مستواه.
ومن بين الأرقام اللافتة تصدر قطاع الصناعة التحويلية قائمة القطاعات ذات التأثير الاقتصادي الأكبر. فالقطاع لا يقتصر أثره على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي، بل يمتد إلى سلاسل طويلة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به سواء في النقل أو الخدمات اللوجستية أو التجارة أو التشغيل.
وتزداد أهمية الصناعة التحويلية في الحالة الأردنية لأنها تمثل أحد المسارات الرئيسية لتعزيز الصادرات ورفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات. فكل دينار ينتج داخل المصانع الأردنية ينعكس بصورة مضاعفة على بقية الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يفسر تركيز رؤية التحديث الاقتصادي على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
لا تقتصر محركات النمو الجديدة على الصناعة وحدها. فالاقتصاد الرقمي أصبح أحد أكثر القطاعات الواعدة في المملكة. خلال السنوات الماضية نجح الأردن في بناء قاعدة بشرية مؤهلة في مجالات البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، الأمر الذي أوجد فرصاً متزايدة للتصدير وجذب الاستثمارات.
الميزة الأساسية للاقتصاد الرقمي تكمن في أنه لا يحتاج إلى الموارد التقليدية التي تعاني الاقتصادات الصغيرة من محدوديتها. فالقيمة المضافة في هذا القطاع تعتمد أساساً على المعرفة والمهارات البشرية، وهي عناصر يمتلك الأردن فيها ميزات نسبية مهمة مقارنة بالعديد من دول المنطقة.
إلى جانب الاقتصاد الرقمي، تبرز الطاقة المتجددة باعتبارها محركاً استراتيجياً للنمو خلال المرحلة المقبلة. فقد تمكن الأردن خلال السنوات الأخيرة من تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، الأمر الذي انعكس إيجاباً على فاتورة الطاقة وعلى ميزان المدفوعات.
ومع استمرار الاستثمارات في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، يمكن لهذا القطاع أن يتحول من مجرد أداة لتقليل الكلف إلى قطاع اقتصادي منتج وقادر على جذب استثمارات ضخمة وتوفير فرص عمل جديدة.
أما قطاع السياحة، فرغم التحديات الإقليمية التي واجهها خلال السنوات الأخيرة، فإنه ما يزال يمثل أحد أهم محركات النمو المستقبلية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في زيادة أعداد الزوار فقط، بل في تطوير سياحة نوعية ذات إنفاق مرتفع وقيمة مضافة أكبر للاقتصاد المحلي.
في المقابل، لا يمكن الحديث عن النمو الاقتصادي دون التطرق إلى قضية الإنتاجية. فالتجارب الدولية تؤكد أن النمو المستدام لا يتحقق عبر زيادة الإنفاق أو التوسع المالي فقط، وإنما عبر رفع إنتاجية العمالة ورأس المال.
وفي هذا السياق، تشير الأرقام إلى أهمية تحسن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، وهو مؤشر مهم على أن الإصلاحات الهيكلية بدأت تترك أثراً تدريجياً في الاقتصاد. ومع ذلك، ما تزال هناك حاجة إلى تسريع الإصلاحات المرتبطة بسوق العمل والتعليم والابتكار والبيئة الاستثمارية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تحقيق قفزة حقيقية في النمو الاقتصادي يتطلب معالجة عدد من التحديات الأساسية. فمعدلات الاستثمار ما تزال أقل من المستويات اللازمة لتحقيق نمو مرتفع، كما أن معدلات البطالة المرتفعة تشكل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً يتطلب تسريع وتيرة خلق فرص العمل.
كذلك فإن استمرار التوترات الإقليمية يفرض درجة من الحذر عند تقييم التوقعات المستقبلية، خصوصاً في ظل ارتباط الاقتصاد الأردني بأسواق المنطقة وحركة التجارة والسياحة الإقليمية.
ومع ذلك، فإن الصورة العامة تبدو أكثر إيجابية مما كانت عليه خلال العقد الماضي. فالأردن يمتلك اليوم رؤية اقتصادية واضحة، وقطاعاً مصرفياً مستقراً، وتحسناً في أداء الصادرات، ومشاريع استراتيجية قيد التنفيذ، إضافة إلى بيئة استثمارية تشهد إصلاحات متواصلة.
لهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الاقتصاد الأردني قادراً على النمو، بل كيف يمكن تسريع هذا النمو وتحويله إلى نمو شامل ينعكس على حياة المواطنين ومستويات التشغيل والدخل.
فالسنوات المقبلة قد تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد الأردني. وإذا نجحت المملكة في توظيف الاستقرار الاقتصادي الذي بنته خلال العقود الماضية، وتوجيهه نحو الاستثمار والإنتاجية والابتكار، فإن الانتقال من اقتصاد يركز على الصمود إلى اقتصاد يقود النمو يصبح هدفاً واقعياً وليس مجرد طموح.