كتاب

هل يقترب العالم من ركود اقتصادي جديد؟

تبدو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أكثر تشاؤماً من معظم المؤسسات الدولية بشأن تداعيات استمرار الصراع في الشرق الأوسط، إذ حذرت في تقريرها الأخير 'الآفاق الاقتصادية العالمية 2026' من أن الحرب لم تعد مجرد أزمة جيوسياسية إقليمية، بل أصبحت أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
التقرير نشر قبل توقيع الاتفاق الأخير بين اميركا وايران، لكنه يكتسب أهمية كبيرة خاصة في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي أصلاً. فبعد سنوات من التضخم المرتفع وتشديد السياسات النقدية وتباطؤ التجارة الدولية، جاءت التوترات في الشرق الأوسط لتضيف مصدراً جديداً لعدم اليقين، خاصة أن المنطقة تنتج نحو ثلث النفط العالمي وتضم أهم ممرات الطاقة الدولية.
في السيناريو الأساسي للتقرير، تتوقع المنظمة أن يسجل الاقتصاد العالمي نمواً بنسبة 2.8% خلال عام 2026 و3.1% خلال عام 2027. لكن هذه التوقعات تفترض عدم حدوث تعطلات كبيرة ومستمرة في إمدادات الطاقة العالمية.
أما في السيناريو البديل الذي يفترض استمرار الاضطرابات (ولو نسبياً) حتى بداية العام المقبل وتعرض إمدادات النفط والغاز لمزيد من التقلبات، فإن النمو العالمي قد يتراجع إلى 2.1% في عام 2026 و1.8% في عام 2027. وبالمقاييس الاقتصادية، فإن نمو الاقتصاد العالمي عند مستويات تقل عن 2% يعد قريباً من ظروف الركود العالمي، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وضعف الاستثمار.
لا تبدو هذه الأرقام مجرد فروقات حسابية بسيطة، فمع بلوغ حجم الاقتصاد العالمي نحو 120 تريليون دولار، فإن تراجع النمو بأكثر من نقطة مئوية يعني خسارة إنتاج اقتصادي عالمي تتجاوز تريليون دولار سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات متوسطة الحجم مجتمعة.
التقلبات في مستويات الأسعار لا تعني فقط ارتفاع كلفة الطاقة، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي. فالنفط والغاز يدخلان في عمليات النقل والشحن والتصنيع وإنتاج الكهرباء، وبالتالي فإن أي زيادة كبيرة في أسعارهما تنتقل سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات.
وتتوقع المنظمة أن يؤدي هذا السيناريو إذا حدث باي شكل من الأشكال إلى رفع معدلات التضخم في اقتصادات مجموعة العشرين بنحو 1.2 نقطة مئوية إضافية خلال العامين المقبلين. وبذلك يجد العالم نفسه أمام معادلة صعبة تتمثل في تباطؤ النمو الاقتصادي من جهة واستمرار ارتفاع الأسعار من جهة أخرى، وهو ما يعرف اقتصادياً بالركود التضخمي.
لكن أزمة الطاقة ليست التحدي الوحيد. فالشرق الأوسط يعد أيضاً مورداً رئيسياً لعدد من المواد الخام الاستراتيجية. وتشير المنظمة إلى أن نقص الإمدادات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسمدة نتيجة زيادة أسعار الكبريت، كما سيتأثر المعروض العالمي من الهيليوم المستخدم في الصناعات الطبية والإلكترونية وأشباه الموصلات. وهذا يعني أن الضغوط لن تقتصر على قطاع الطاقة، بل ستطال الزراعة والصناعة والتكنولوجيا في آن واحد.
ومن المتوقع أن تكون الاقتصادات الناشئة الأكثر تعرضاً للخسائر. فهذه الدول تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والغذاء، كما تمتلك هوامش مالية ونقدية أقل قدرة على مواجهة الصدمات. ولذلك ترى المنظمة أن آثار الأزمة ستكون أشد وطأة على الدول النامية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة التي تمتلك احتياطيات استراتيجية وأدوات دعم أكبر.
أما أوروبا فتواجه تحدياً خاصاً. فبعد سنوات قليلة فقط من أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، قد تجد نفسها أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغاز والنفط، الأمر الذي سيضغط على قطاع الصناعة ويحد من تنافسية الشركات الأوروبية ويؤثر على مستويات الاستهلاك والاستثمار.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار الصراع يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين إلى الأسواق المالية العالمية. فالمستثمرون عادة ما يؤجلون قراراتهم الاستثمارية الكبرى في أوقات الأزمات الجيوسياسية، وهو ما ينعكس على تدفقات الاستثمار الأجنبي والنشاط الاقتصادي العالمي.
بالنسبة للأردن والدول المستوردة للطاقة في المنطقة، فإن المخاطر تبدو أكثر وضوحاً. فارتفاع أسعار النفط يعني زيادة فاتورة الطاقة المستوردة وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، الأمر الذي قد ينعكس على معدلات التضخم وعجز الميزان التجاري ويزيد الضغوط على المالية العامة.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الاقتصادي الأخير ، والذي نشر قبل توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران، يوكد أن أزمة الطاقة لن تكون أزمة عابرة فحسب، بل يحذر من احتمال دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من النمو الضعيف والتضخم المرتفع في وقت واحد. فالعالم الذي لم يتعافَ بالكامل بعد من آثار الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة، قد يجد نفسه أمام ارتدادات صدمة جديدة تكلفه أكثر من تريليون دولار من النشاط الاقتصادي سنوياً إذا استمرت الاضطرابات في المنطقة وانعكست تداعياتها على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.