كتاب

الاستثمار التكنولوجي في البنوك

تكشف دراسة حديثة صادرة عن جمعية البنوك في الأردن حول واقع الاستثمار في التكنولوجيا والتحول الرقمي خلال عام 2025، عن مرحلة جديدة من التطور يشهدها القطاع المصرفي الأردني، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساندة للأعمال المصرفية، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل نماذج العمل والخدمات والعمليات التشغيلية في البنوك.
وتأتي نتائج الدراسة في سياق عالمي يتسم بتسارع التحول الرقمي، وانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتزايد المنافسة بين المؤسسات المالية التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية، الأمر الذي دفع البنوك الأردنية إلى زيادة استثماراتها في البنية التحتية الرقمية والأنظمة المصرفية الحديثة والأمن السيبراني وتحليل البيانات.
وتشير الدراسة إلى أن إجمالي إنفاق البنوك الأردنية على التكنولوجيا بلغ نحو 221 مليون دينار خلال عام 2025، مسجلًا نموًا بنسبة 2.5% مقارنة بعام 2024. ولا يعكس هذا الرقم مجرد زيادة في الإنفاق، بل يؤكد استمرار القطاع المصرفي في تبني رؤية طويلة الأمد تستهدف بناء منظومة مصرفية أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والبيانات والخدمات الرقمية.
ومن اللافت أن الإنفاق التكنولوجي أصبح يشكل ما نسبته 8.5% من إجمالي إيرادات البنوك، و15.1% من إجمالي مصروفاتها، وهي مستويات تقع ضمن النطاقات المرتفعة عالميًا وفق المقارنات المرجعية التي استندت إليها الدراسة. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لدى إدارات البنوك بأن التكنولوجيا لم تعد بندًا تشغيليًا عاديًا، بل استثمارًا استراتيجيًا مرتبطًا بالقدرة التنافسية واستدامة النمو وتحسين تجربة العملاء.
وتكشف الدراسة عن تحول مهم في طبيعة إدارة التحول الرقمي داخل البنوك الأردنية، حيث أفادت 70.6% من البنوك المشاركة بوجود استراتيجيات تحول رقمي معتمدة من مجالس الإدارة ومصحوبة بمؤشرات أداء واضحة. ويعني ذلك أن التحول الرقمي انتقل من كونه مسؤولية تقنية محصورة في إدارات تكنولوجيا المعلومات، إلى ملف استراتيجي يخضع للحوكمة والمتابعة على أعلى المستويات الإدارية.
وتبرز نتائج الدراسة أيضًا التقدم الذي أحرزه القطاع المصرفي في تبني الخدمات الرقمية، إذ ارتفعت نسبة المعاملات المنفذة عبر القنوات الرقمية إلى 64.4% من إجمالي المعاملات خلال عام 2025، مقارنة بـ59.1% في العام السابق، فيما بلغ متوسط نسبة العملاء النشطين رقميًا 54.4%. وتشير هذه المؤشرات إلى أن القطاع المصرفي الأردني يقترب تدريجيًا من نموذج 'البنك الرقمي أولًا'، حيث تصبح القنوات الإلكترونية المنصة الرئيسية لتقديم الخدمات المصرفية.
وفي جانب توزيع الاستثمارات، تكشف الدراسة أن البنوك لا تزال تركز الجزء الأكبر من إنفاقها على البنية التحتية التقنية والأنظمة الأساسية والأمن السيبراني والقنوات الرقمية. فقد استحوذت البنية التحتية التقنية على 24% من إجمالي الإنفاق التكنولوجي، تلتها الأنظمة الأساسية بنسبة 21.9%، ثم القنوات الرقمية بنسبة 17.7%، فيما بلغت حصة الأمن السيبراني 14.8%.
ويعكس هذا التوزيع حقيقة مهمة مفادها أن القطاع المصرفي الأردني لا يزال في مرحلة ترسيخ الأسس الرقمية وبناء البنية التحتية اللازمة للتحول الشامل، قبل الانتقال إلى مستويات أوسع من الاستثمار في التقنيات المتقدمة. ويؤكد ذلك أيضًا أن حماية البيانات وتعزيز المرونة السيبرانية أصبحتا من الأولويات الاستراتيجية في ظل تصاعد المخاطر الإلكترونية عالميًا.
أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فتشير الدراسة إلى أن القطاع المصرفي الأردني ما زال في مرحلة التوسع التدريجي في استخدام هذه التقنيات. ورغم أن الإنفاق المباشر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يزال محدودًا نسبيًا عند 3.5% من إجمالي الإنفاق التكنولوجي، إلا أن العديد من البنوك بدأت فعليًا باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات كشف الاحتيال، والتحليلات التنبؤية، وخدمة العملاء، والأمن السيبراني، والأتمتة الذكية.
وتؤكد هذه المؤشرات أن البنوك الأردنية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مرحلة التطور التالية للتحول الرقمي، لكنها في الوقت ذاته تتبنى نهجًا حذرًا ومتدرجًا يوازن بين فرص الابتكار ومتطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر.
ورغم هذا التقدم، لا تزال الدراسة ترصد مجموعة من التحديات التي تواجه البنوك في مسيرة التحول الرقمي، أبرزها الأنظمة القديمة، وجودة البيانات، ونقص الكفاءات الرقمية المتخصصة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني والتطور السريع للتقنيات الحديثة.
وتؤكد نتائج الدراسة أن القطاع المصرفي دخل مرحلة أكثر نضجًا في مسار التحول الرقمي؛ فالاستثمارات المتزايدة، وارتفاع نسب استخدام القنوات الرقمية، وتبني استراتيجيات التحول الرقمي على مستوى مجالس الإدارة، جميعها مؤشرات تعكس انتقال البنوك من مرحلة الرقمنة الجزئية إلى مرحلة إعادة بناء النموذج المصرفي نفسه على أسس رقمية.