القضاة: خارطة تحديث القطاع العام نقطة تحول تاريخية في مسار الإصلاح الإداري
تايه: التحديث الإداري تحول في فلسفة الإدارة من الإجراءات إلى النتائج
بمناسبة عيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، يبرز مسار التحديث الإداري في الأردن بوصفه أحد أهم المشاريع الوطنية التي قادها جلالة الملك عبدالله الثاني ضمن رؤية شاملة هدفت إلى بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لمتطلبات التنمية والتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
ويؤكد خبير الإدارة العامة والأمين العام الأسبق لوزارة تطوير القطاع العام الدكتور عبدالله محمد القضاه أن التحديث الإداري في الأردن لم يعد مجرد عملية إصلاحية ذات طابع تقني، بل أصبح ركيزة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسارات التحديث السياسي والاقتصادي، التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، بهدف بناء دولة أكثر كفاءة وفاعلية في تقديم الخدمات وتعزيز التنمية.
ويشير الدكتور القضاه إلى أن إطلاق خارطة طريق تحديث القطاع العام (2022–2033) شكل نقطة تحول مهمة في مسار تطوير الإدارة العامة، حيث تم وضع هدف مركزي يتمثل في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يعزز من مكانة المواطن باعتباره محور العملية التنموية وغاية السياسات العامة. كما يلفت إلى الدور المحوري لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في متابعة هذا المسار، وضمان جودة التنفيذ وتسريع الإنجاز، إلى جانب تركيزه على تمكين الشباب وتعزيز الابتكار في الإدارة العامة، بما يعكس إيماناً راسخاً بأهمية بناء جهاز حكومي قادر على مواكبة التحولات المتسارعة.
ويؤكد أن الحكومة، وبتوجيهات ملكية سامية، عملت على ترجمة هذه الرؤية إلى خطط ومشاريع تنفيذية شملت مختلف محاور التحديث، من الخدمات الحكومية والتحول الرقمي، إلى الحوكمة وإعادة الهيكلة وتطوير الموارد البشرية وتعزيز الثقافة المؤسسية. وقد تجلت أبرز ملامح هذا التقدم في إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية باعتبارها تحولا بنيويا في بناء القيادات الحكومية وتأهيلها وفق أسس علمية حديثة ومعايير دولية، بما يضمن إعداد قيادات قادرة على قيادة التغيير بكفاءة وفعالية.
كما شهدت المرحلة إطلاق هيئة الخدمة والإدارة العامة لتحل محل ديوان الخدمة المدنية، لتكون الذراع التنفيذي لتطوير الموارد البشرية في القطاع العام، حيث أطلقت استراتيجيتها للأعوام 2024–2027 بما يعزز دورها التنظيمي والتطويري في إدارة الكفاءات الحكومية. وفي السياق ذاته، حقق الأردن تقدماً ملموسا في مجال التحول الرقمي وتبسيط الخدمات الحكومية، ما ساهم في تسهيل الإجراءات على المواطنين وتسريع إنجاز معاملاتهم، وكان من أبرز مظاهر هذا التحول تطبيق «سند» الذي وفر منصة موحدة لعدد واسع من الخدمات.
كما شمل التحديث -وفق القضاه- تطوير نظام القيادات الحكومية عبر إصدار نظام معدل لعام 2025 بهدف استقطاب القيادات القادرة على إدارة التغيير ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، إلى جانب العمل على تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية بما انعكس إيجاباً على تحسين بيئة الأعمال وتخفيف الأعباء على المواطنين.
ويشير الدكتور القضاه إلى أن هذه الإنجازات، التي تجاوزت في بعض مراحلها نسب إنجاز متقدمة، تعكس جدية الدولة في المضي قدماً في تنفيذ خارطة التحديث الإداري، غير أن استدامتها تتطلب استمرار العمل المؤسسي وتكريس ثقافة الأداء والإنجاز وتعزيز التكامل بين المؤسسات.
واكد على أن هذه المناسبة الوطنية تشكل فرصة لتجديد العهد والولاء للقيادة الهاشمية، ومواصلة العمل نحو أردن أكثر قوة وازدهاراً، يكون فيه القطاع العام نموذجاً في الكفاءة والتميز، والدولة أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، وأكثر جاهزية لمواكبة التحديات وصناعة المستقبل.
في السياق يرى الكاتب والمحلل فيصل تايه أن الحديث عن التحديث الإداري في هذه المناسبة الوطنية لا يقتصر على استعراض الإنجازات المتحققة، بل يشكل فرصة لقراءة التحولات العميقة التي شهدتها مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية، حيث ارتبطت مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري ضمن منظومة إصلاحية متكاملة تقوم على تعزيز كفاءة الأداء الحكومي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويشير تايه الى $ إلى أن التحديث الإداري في عهد جلالة الملك لم يعد مجرد عملية تطوير إجرائية داخل الجهاز الحكومي، بل أصبح تحولاً في فلسفة الإدارة العامة نفسها، يقوم على الانتقال من التركيز على الإجراءات إلى التركيز على النتائج، ومن قياس الأداء بحجم الأنشطة إلى قياسه بالأثر الذي ينعكس على حياة المواطنين ومستوى الخدمات والتنمية الاقتصادية.
ويؤكد تايه أن إطلاق خارطة تحديث القطاع العام شكل محطة مفصلية في هذا المسار، إذ وضعت إطاراً استراتيجياً لإعادة بناء الجهاز الحكومي على أسس أكثر كفاءة ومرونة وتكاملاً، من خلال تطوير الموارد البشرية، وتعزيز الحوكمة، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتسريع التحول الرقمي. وتكمن أهمية هذه الخارطة، بحسب تايه، في أنها لا تقتصر على تحديث الأدوات الإدارية، بل تستهدف إعادة تشكيل بنية الدولة الإدارية بما يرسخ مفهوم الحكومة الواحدة التي تعمل بتكامل وتنسيق لخدمة المواطن.
ويضيف أن مسيرة التحديث الإداري، رغم ما حققته من تقدم ملموس، ما تزال تواجه تحديات تتعلق بترسيخ ثقافة الأداء والنتائج داخل بعض المؤسسات، لافتاً إلى أن الإصلاح الإداري ليس مشروعاً تنظيمياً أو تقنياً فحسب، بل هو مشروع ثقافي يتطلب تغييراً في أنماط التفكير وأساليب العمل والسلوك المؤسسي، بما يعزز قيم المساءلة والإنجاز والابتكار.
كما يلفت إلى وجود تفاوت في جاهزية المؤسسات الحكومية للتحول الرقمي وتطبيق أدوات الإدارة الحديثة، الأمر الذي يستدعي تعزيز التكامل المؤسسي وتوحيد المعايير والإجراءات بما يضمن تقديم خدمات حكومية متجانسة وعالية الجودة للمواطنين في مختلف القطاعات.
ويرى تايه أن أهمية التحديث الإداري تتجاوز حدود الجهاز الحكومي لتصل إلى دعم مسار التحديث الاقتصادي، إذ تمثل الإدارة العامة الكفؤة أحد أهم مقومات البيئة الاستثمارية الجاذبة. فسرعة اتخاذ القرار، ووضوح الإجراءات، وتقليل البيروقراطية، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، جميعها عوامل تسهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني واستقطاب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
وفي هذا الإطار، -بحسب تايه-يشكل التحول الرقمي أحد أبرز الإنجازات التي شهدها القطاع العام خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على رقمنة الخدمات، بل امتد إلى إعادة هندسة الإجراءات الحكومية وتبسيطها ودمجها، بما يحد من التعقيدات الإدارية ويعزز الشفافية ويرتقي بتجربة المواطن في التعامل مع مؤسسات الدولة.
ويؤكد تايه أن التجربة الأردنية في التحديث الإداري تنسجم مع الاتجاهات العالمية الحديثة في إدارة الدولة، والتي تقوم على الحوكمة الرشيقة والإدارة القائمة على البيانات وقياس الأداء، مع المحافظة في الوقت ذاته على خصوصية النموذج الأردني الذي يوازن بين متطلبات التحديث والاستقرار المؤسسي.
ويشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في ترسيخ ثقافة الأداء والإنجاز داخل القطاع العام، وتعزيز التكامل والتنسيق بين المؤسسات الحكومية، وضمان استدامة عملية التطوير بحيث تصبح جزءاً أصيلاً من الثقافة المؤسسية اليومية لا مجرد برامج إصلاحية مؤقتة.
ويشير تايه إلى أن مسار التحديث الإداري الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني يمثل أحد أبرز مرتكزات بناء الدولة الأردنية الحديثة، ويجسد رؤية ملكية تستهدف تعزيز كفاءة المؤسسات ورفع قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين ومتطلبات التنمية. ومع احتفال المملكة بعيد الجلوس الملكي السابع والعشرين، تتجلى أهمية هذا المسار بوصفه ركيزة أساسية في بناء دولة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على مواجهة التحديات.