كتاب

القدس: حين يصبح الزمن محتلاً

هناك مدنٌ تُحتل فتقاوم، ومدنٌ تسقط فتنهض، ومدنٌ تموت فتتحول إلى صفحات في كتب التاريخ. أما القدس فهي المدينة الوحيدة التي لم ينجح الاحتلال في احتلالها كاملةً، لأنه اكتشف متأخراً أن السيطرة على الأرض أسهل بكثير من السيطرة على الزمن.
منذ عقود طويلة، لم يكن الصراع على القدس صراعاً على شوارع أو أبنية أو حدود. كان صراعاً على الذاكرة نفسها. فالمدينة التي شهدت مرور الأنبياء والإمبراطوريات والحجاج والفاتحين والغزاة، تعرف جيداً أن أخطر أنواع الاحتلال ليس الذي يسيطر على المكان، بل الذي يحاول إعادة كتابة القصة.
في القدس لا تُقاس السنوات كما تُقاس في بقية مدن العالم. فالعام هناك ليس اثني عشر شهراً، بل مجموعة من الأسئلة المفتوحة أمام الضمير الإنساني. كل صباح يشرق فوق قبابها وأسوارها يسأل العالم سؤالاً واحداً: كيف يمكن لمدينة تحمل هذا القدر من القداسة في وجدان البشرية أن تبقى ساحةً للصراع على أبسط الحقوق الإنسانية؟.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن العالم الذي استطاع أن يرسل المركبات إلى الكواكب البعيدة، ويخترع الذكاء الاصطناعي، ويعيد رسم خرائط الاقتصاد والتكنولوجيا، ما زال عاجزاً عن تقديم إجابة أخلاقية واضحة تجاه مدينة يرى فيها مليارات البشر جزءاً من هويتهم الروحية والحضارية.
فالقدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وليست قضية العرب أو المسلمين أو المسيحيين وحدهم. القدس امتحانٌ عالمي لفكرة العدالة ذاتها. إنها السؤال الذي يواجه كل من يتحدث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي وكرامة الشعوب. لأن المبادئ لا تُختبر حين تكون سهلة، بل حين تصبح مكلفة.
ولذلك فإن القدس ليست مجرد مدينة تحت الاحتلال، بل مدينة تحت المجهر الأخلاقي للتاريخ.
التاريخ الذي لا يسأل من امتلك القوة، بل من امتلك الحق.
التاريخ الذي لا يتذكر الجيوش بقدر ما يتذكر الذين دافعوا عن هوية الإنسان.
ومن بين أكثر الفصول رسوخاً في قصة الدفاع عن القدس يبرز الدور الهاشمي باعتباره حالة نادرة من الاستمرارية التاريخية في عالم تتغير فيه التحالفات والمواقف والمصالح.
فالوصاية الهاشمية لم تكن مجرد مسؤولية إدارية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، بل تحولت عبر العقود إلى خط دفاع عن هوية المدينة في مواجهة محاولات اقتلاعها من ذاكرتها. لم يكن الأمر متعلقاً بحراسة أبواب أو ترميم جدران فقط، بل بحماية الرواية التاريخية للقدس من التآكل والتشويه والنسيان.
وحين كانت عواصف السياسة تضرب المنطقة، بقيت القدس حاضرة في الخطاب الهاشمي باعتبارها قضية مبدأ لا قضية ظرف. وظلت مشاريع الإعمار والرعاية والترميم شاهداً على أن الدفاع عن المدينة لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالفعل المستمر الذي يحفظ معالمها ووجودها ورسالتها للأجيال القادمة.
لكن القدس، في جوهرها، أكبر من السياسة كلها.
إنها الفكرة التي ترفض الهزيمة.
هي البرهان الحي على أن الشعوب قد تُرهق لكنها لا تُمحى، وأن الهوية قد تُستهدف لكنها لا تُختزل، وأن الحقيقة قد تتعرض للحصار لكنها لا تفقد قدرتها على الظهور.
ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى يلاحق العالم ليس متى تنتهي أزمة القدس، بل ماذا سيقول التاريخ عن عصرٍ شاهد القدس بكل ما تمثله من قداسة وإنسانية وعدالة، ثم اختار أن ينظر إليها من خلف حسابات المصالح؟.
فالمدن العظيمة تصنعها الحضارة، لكن القدس تصنع الضمير.
والأمم تُعرف بما تبنيه من أبراج، لكن الإنسانية تُعرف بما تحميه من قيم.
أما القدس فستبقى، كما كانت دائماً، الشاهد الذي لا ينام، والمرآة التي تكشف الحقيقة مهما حاولت السياسة إخفاءها، والمدينة التي أثبتت للعالم أن الاحتلال يستطيع أن يطيل أمد الصراع، لكنه لا يستطيع أن يحتل التاريخ، ولا أن يصادر الذاكرة، ولا أن ينتصر على معنى مدينةٍ آمنت بها السماء قبل أن يتنازع عليها البشر.