فالقدس في الوعي العربي والإسلامي والمسيحي ليست مدينة عادية بل هي مركز روحي عالمي وأي مساس بهويتها أو بتوازنها الديني يتحول فورًا إلى أزمة إقليمية ودولية. من هنا تأتي أهمية الوصاية الهاشمية بوصفها ضمانة تاريخية وعملية لحماية المقدسات من منظور إسلامي وأيضًا من منظور مسيحي عميق مما يجعل الأردن حاضرًا بقوّة في قلب المعادلة الدولية الخاصة بالقدس.
القيمة الحقيقية للوصاية الهاشمية أنها لا تتعامل مع القدس كملف ديني منفصل عن السياسة ولا كملف سياسي منفصل عن التاريخ بل تجمع بين البعد الروحي والبعد القانوني والبعد الدبلوماسي. فالهاشميون، بحكم النسب الديني والتاريخ السياسي والدور العربي قدّموا نموذجًا نادرًا في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية معًا، دون انتقائية ودون استعراض ودون تحويل الدين إلى أداة صراع طائفي.
وهذا تحديدًا ما يمنح الأردن احترامًا خاصًا لدى الفاتيكان لأن الفاتيكان يدرك أن حماية الوجود المسيحي في القدس والشرق لا تتم الّا بوجود دولة مستقرة عاقلة ذات شرعية دينية وتاريخية قادرة على الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في خطاب واحد لا يقسّم المدينة ولا يختزلها.
ارتياح الفاتيكان للدور الأردني ليس مجاملة دبلوماسية بل قراءة واقعية لموقع الأردن. فالفاتيكان وهو القوة الروحية الأهم في العالم المسيحي الكاثوليكي الذي يفوق أتباعه ملياري نسمة يعرف أن الأردن لم يتعامل يومًا مع المسيحيين بوصفهم أقلية بل بوصفهم مكونًا أصيلًا من النسيج الوطني والمشرقي. كما يعرف أن جلالة الملك عبدالله الثاني قد جعل من حماية الوجود المسيحي في القدس والمنطقة العربية وفي الأردن جزءًا ثابتًا من خطابه السياسي الدولي. وهذا ما يفسر دفء العلاقة بين عمّان والكرسي الرسولي لأنها علاقة تقوم على قناعة مشتركة بأن القدس يجب أن تبقى مدينة إيمان وتعدد وحضور ديني حي وليس ساحة إقصاء أو تهويد أو صراع مغلق.
أهمية علاقة الفاتيكان مع الأردن تكمن في أنها تمنح الموقف الأردني بعدًا عالميًا يتجاوز الإقليم. فحين يشترك موقف الأردن مع موقف الفاتيكان في حماية الوضع التاريخي والقانوني والديني القائم في القدس، فإن القضية لا تعود مجرد نزاع سياسي في الشرق الأوسط بل تتحول إلى قضية ضمير عالمي وحرية دينية وحماية تاريخ ديني وإنساني. وهذا التشارك يخدم الأردن سياسيًا ويخدم القدس روحيًا ويخدم المسيحيين والمسلمين معًا لأنه يضع المدينة تحت رقابة أخلاقية دولية ويمنع عزلها ضمن حسابات القوة وحدها.
كما أن دعم الفاتيكان للدور الأردني يعزز صورة الأردن كدولة اعتدال واستقرار وحوار بين الأديان. ففي منطقة غنيّة بالحروب والانقسامات والطائفية يظهر الأردن كاستثناء سياسي وأخلاقي كدولة صغيرة بحجمها الجغرافي لكنها كبيرة بثقلها، قادرة على مخاطبة المسلمين والمسيحيين والغرب والعالم العربي بلغة متوازنة. وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، لأن السياسة في القدس لا تُقاس فقط بعدد السكان أو حجم الاقتصاد أو قوة السلاح بل تُقاس أيضًا بالثقة الدولية وبالشرعية التاريخية وبالقدرة على حماية الرموز دون إشعال المنطقة.
الوصاية الهاشمية هنا تشكل خط دفاع متقدم عن القدس وعن الأردن في آن واحد. فهي تحمي القدس من محاولات تغيير هويتها، وتحمي الأردن من محاولات تهميش دوره أو تجاوز موقعه التاريخي. وكلما اشتدت الضغوط على المدينة المقدسة ازدادت أهمية هذه الوصاية، لأنها تمثل آخر الصيغ العربية والدينية المنظمة التي تحظى باعتراف واسع وتملك قدرة عملية على المتابعة والصيانة والترميم والتمثيل السياسي.
ومن يظن أن الوصاية مجرد لقب لا يفهم طبيعة القدس ولا يفهم أن الرمزية في هذه المدينة قد تكون أقوى من الجغرافيا، وأن الشرعية الدينية قد تكون أعمق من أي ترتيب سياسي مؤقت.
لذلك، فإن العلاقة الأردنية مع الفاتيكان ليست علاقة احتفالية أو صور لقاءات رسمية، بل علاقة استراتيجية متناغمة تمنح الأردن قدرة إضافية على الدفاع عن القدس في المحافل الدولية وتمنح الفاتيكان شريكًا موثوقًا في منطقة مضطربة.
إنها علاقة تقوم على الاحترام المتبادل حيث الأردن يحترم الدور الروحي العالمي للفاتيكان، والفاتيكان يدرك أن الأردن بقيادة الهاشميين هو الطرف الأكثر اتزانًا ومصداقية في حماية المقدسات المسيحية والإسلامية في القدس.
لذلك فإن الوصاية الهاشمية ليست إرثًا من الماضي بل مسؤولية حاضرة ومشروع مستقبل. وهي شأن أردني داخلي وقضية عربية وإسلامية ومسيحية ودولية. أما ارتياح الفاتيكان ودعمه لهذا الدور، فيؤكدان أن الأردن هو ضامن روحي وأخلاقي وتاريخي لتوازنها. وهنا تكمن قوة الأردن الحقيقية في أنه يدافع عن القدس بمنطق المسؤولية وبثبات الدولة وباسم قدسية المدينة لكل المؤمنين.
محامٍ وخبير قانوني