لم تعد المهرجانات والحفلات الفنية مجرد فعاليات ترفيهية، بل أصبحت صناعة اقتصادية وسياحية متكاملة، تقاس نتائجها بعدد الزوار، ونسب إشغال الفنادق، وحجم الإنفاق الذي ينعكس على المجتمعات المحلية، وهذا ما أدركه الأردن منذ سنوات من خلال إقامة المهرجانات بالعقبة وجرش ووادي رم، وغيرها من الفعاليات التي وضعت المملكة على خارطة السياحة الثقافية والفنية، فماذا تغير الآن؟.
اليوم، تخطو مدينة البترا خطوة مختلفة وأكثر جرأة، بعدما خرجت من عباءتها الكلاسيكية، لتبدأ مرحلة جديدة تستقبل فيها كبار الفنانين العالميين، في رسالة تؤكد أن المدينة الوردية ليست مجرد متحف مفتوح للتاريخ، وإنما وجهة قادرة على استضافة أضخم الفعاليات العالمية.
البترا تستعد لاستقبال حفل فرقة أدرياتيك (Adriatique)، التي تعد من أبرز الأسماء العالمية في موسيقى التكنو والإلكترونية، في حدث سياحي اقتصادي بامتياز ستظهر نتائجها على السياحة بشكل عام، فالمؤشرات تؤكد أن نحو 90% من الحضور سيأتون من خارج الأردن، سواء من الدول العربية أو مختلف أنحاء العالم، وهو ما يعني آلاف الزوار الذين سيقيمون في فنادق البترا والمثلث الذهبي، وينفقون في المطاعم ووسائل النقل والأسواق.
هذه الحفلات بالتحديد هي ما يحتاجه القطاع السياحي الأردني في هذه المرحلة، بعد فترة صعبة تأثر خلالها بالحرب الدائرة في المنطقة، والتي انعكست سلباً على حركة السفر إلى المنطقة بأكملها، رغم أن الأردن بقي واحة أمن واستقرار.
إن استقطاب فعاليات عالمية بهذا الحجم يرسل رسائل تتجاوز الموسيقى نفسها؛ فهو يؤكد أن الأردن قادر على تنظيم أحداث عالمية، وأن البترا ما تزال تبهر العالم، ليس فقط بتاريخها الممتد لآلاف السنين، وإنما بقدرتها على مواكبة الحاضر واستقطاب جمهور جديد ربما لم يكن يفكر بزيارتها لولا هذه الفعاليات.
الأهم أن نجاح مثل هذه التجارب ينبغي ألا يبقى محصوراً بمنطقة جغرافية محددة، فالمطلوب أن تتحول إلى نهج مستدام، ضمن "رزنامة سنوية" تستقطب أسماء عربية و عالمية في مختلف الفنون، بما يضمن استمرار تدفق الزوار على مدار العام، ويعزز مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني.
السياحة لم تعد تعتمد فقط على المواقع الأثرية أو الطبيعة الخلابة، وإنما على صناعة التجربة المتكاملة؛ تجربة تدفع السائح للسفر من أجل حضور حدث عالمي، ثم يكتشف خلال رحلته تاريخ الأردن وثقافته وكرم أهله.
خلاصة القول، البترا اليوم تقول للعالم إنها تتغير دون أن تفقد هويتها، وتثبت أن الحفاظ على الإرث التاريخي لا يتعارض مع الانفتاح على الفنون والثقافات الحديثة، بل قد يكون الطريق الأمثل لإعادة تقديم هذا الإرث للأجيال الجديدة، وللعالم بأسره، والأهم أنها رسالة تؤكد أن الاستثمار بالثقافة والفن هو استثمار في السياحة والاقتصاد، وأن الأردن يمتلك كل المقومات ليكون مركزاً إقليمياً للفعاليات العالمية.