ارتفاع مرتقب على المحروقات.. والحكومة تواصل امتصاص الصدمة
دعم الطاقة يخفف آثار ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأردني
رغم التوقعات بارتفاعات جديدة على أسعار بعض المشتقات النفطية في الأردن خلال التسعيرة المقبلة، يؤكد مختصون أن الأسعار المحلية ما تزال دون مستوياتها العالمية، في ظل استمرار الحكومة بتحمل جزء من الكلف، وبخاصة لمادتي الديزل والغاز المنزلي، بهدف الحد من انعكاسات الارتفاعات العالمية على السوق المحلية والقطاعات الإنتاجية والمعيشية.
ويرى خبراء أن قراءة أسعار المحروقات في الأردن لا يمكن أن تتم بمعزل عن طبيعة السوق المحلية واعتماد المملكة شبه الكامل على استيراد الطاقة، إلى جانب خصوصية آلية التسعير التي تراعي التدرج في عكس الكلف العالمية، بما يوازن بين استقرار السوق والقدرة الشرائية للمواطنين، ويخفف من حدة الصدمات النفطية على الاقتصاد الوطني.
وقال خبير شؤون الطاقة هاشم عقل إن أسعار عدد من المشتقات النفطية في الأردن ما تزال ضمن مستويات أقل من الأسعار العالمية، رغم التوقعات بارتفاعات مرتقبة على بعض الأصناف خلال التسعيرة المقبلة، في وقت تواصل فيه الحكومة تحمل جزء من كلف أسطوانة الغاز المنزلي.
وأشار عقل إلى أنه ومع استمرار بقاء خام برنت فوق مستوى 108 دولارات للبرميل، فإن أسعار المشتقات النفطية محلياً مرشحة لمزيد من الارتفاع خلال التسعيرة المقبلة، متوقعاً ارتفاع سعر لتر بنزين 90 بنحو 6 قروش وبنسبة تقارب 6 بالمئة، مع ثبات سعر بنزين 95 عند 1.31 دينار للّتر.
كما توقع ارتفاع سعر لتر الديزل بنحو 70 فلساً وبنسبة تصل إلى 8 بالمئة، رغم أن السعر العالمي للتر يبلغ نحو 1.05 دينار، مؤكداً أن الحكومة ما تزال تتحمل جزءاً من فارق الأسعار دعماً لقطاع النقل بشكل خاص، باعتباره القطاع الأكثر اعتماداً على مادة الديزل.
وأوضح عقل أن سعر بنزين أوكتان 90 يبلغ عالمياً نحو 1.06 دينار للتر، فيما يباع محلياً بسعر يقل عن السعر العالمي بنحو 6 قروش، ما يعني أن السعر المحلي ما يزال أدنى من مستواه العالمي.
وأضاف أن سعر بنزين أوكتان 95 استقر محلياً وعالمياً عند حدود 1.31 دينار للتر، في حين يبلغ متوسط السعر العالمي للبنزين بشكل عام نحو 1.53 دولار للتر.
ولفت عقل إلى أن المقارنات الدولية المتعلقة بارتفاع أسعار البنزين غالباً ما تستند إلى بنزين أوكتان 95 باعتباره النوع الأكثر استخداماً في معظم دول العالم، في حين تعتمد غالبية السوق الأردنية على بنزين أوكتان 90 الأقل سعراً، بينما يقتصر استخدام بنزين 95 على فئات محدودة من المركبات، الأمر الذي يجعل المقارنات السعرية بحاجة إلى قراءة أكثر دقة تأخذ بالاعتبار طبيعة الاستهلاك المحلي وأنماط الطلب في المملكة.
وأشار إلى أن الفجوة الأكبر تظهر في مادة الديزل، إذ يبلغ السعر العالمي نحو 1.05 دينار للتر مقابل 79 قرشاً محلياً، بفارق يصل إلى 26 قرشاً للتر، مبيناً أن متوسط السعر العالمي للديزل يبلغ نحو 1.57 دولار للتر، بينما يباع محلياً بما يعادل 1.11 دولار، الأمر الذي يجعل سعر الديزل في الأردن أقل من المعدل العالمي بنحو 30 بالمئة.
وبين عقل أن هناك 51 دولة حول العالم تبيع البنزين بأسعار أعلى من الأردن، و89 دولة تبيع الديزل بأسعار تفوق الأسعار المحلية في المملكة، ما يعكس استمرار انخفاض الأسعار المحلية مقارنة بالعديد من الأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بمادة الكاز، أوضح أن الفارق بين السعر العالمي والمحلي يصل إلى نحو 47 قرشاً للتر، في وقت تواصل فيه الحكومة تقديم دعم مباشر لأسطوانة الغاز المنزلي.
وأكد عقل أن الدعم الحكومي لأسطوانة الغاز قد يصل إلى نحو 5 دنانير للأسطوانة الواحدة، موضحاً أن السعر الحقيقي للأسطوانة دون دعم يتجاوز 12.5 دينار نتيجة الارتفاعات العالمية في أسعار الغاز المسال، ما يعني أن الحكومة تتحمل حالياً ما بين 40 إلى 45 بالمئة من التكلفة الفعلية لكل أسطوانة.
وأضاف أن هذا الدعم يضع الأردن ضمن الدول الأقل سعراً عالمياً في بيع أسطوانات الغاز، إذ يصنف ضمن أرخص 35 دولة من أصل 170 دولة حول العالم، في حين تباع الأسطوانة المماثلة في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية غير المدعومة بأسعار تتراوح بين 25 و40 دولاراً.
من جهته، أكد خبير الطاقة ومدير البرامج والتخطيط في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة أنه يمكن القول إن المقارنات المتداولة أحياناً بشأن أسعار المحروقات في الأردن لا تعكس الواقع المحلي كاملا، لأنها غالبا تُبنى على معيار واحد هو سعر بنزين أوكتان 95 في الأسواق العالمية..
بينما السوق الأردنية تعتمد عمليا بدرجة أكبر على أوكتان 90 والديزل والكاز، وهي منتجات تُسعَّر محلياً ضمن آلية شهرية تراعي متوسطات الأسعار العالمية وتكاليف النقل والهامش التشغيلي وخصوصية السوق الأردني.
كما أن هذه المقارنات تغفل أن الدينار الأردني مربوط بالدولار الأميركي منذ سنوات طويلة، ما يمنح السياسة النقدية درجة من الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يجعل الأردن يتأثر مباشرة بحركة أسعار النفط المقومة بالدولار.
ويرى الصرايرة أن الصورة الأدق هي أن الحكومة لا تتعامل مع الأسعار بمنطق «التمرير الكامل» للصدمات الخارجية، وإنما بمنطق التخفيف التدريجي وحماية السوق من الصدمة الحادة..
وهذا يتضح في قرارها الأخير لشهر أيار، حيث أبقت على جزء من الزيادة دون تحميلها بالكامل للمستهلك، وفي الوقت نفسه أعلنت دعما مباشرا يُقدَّر بنحو 68 مليون دينار لتسعيرة ذات الشهر، إضافة إلى دعم موجّه للقطاع الصناعي بنحو 2.9 مليون دينار، وهو ما يعكس نهجا عمليا يوازن بين استقرار السوق والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار الصرايرة إلى أن هيكل الاستهلاك المحلي مختلف، ولأن التسعير الأردني يأخذ في الاعتبار أيضاً العبء الاجتماعي على الفئات الأكثر تأثرا، فإن الحكومة تتعامل مع الارتفاعات العالمية بعقلية امتصاص الصدمة لا تعميقها؛ فهي لا تنقل الكلفة كاملة إلى المواطن، ولكنها في الواقع تُسيّل جزءاً من المخزون، وتتحمل دعما مباشرا للمشتقات الأكثر حساسية، خصوصا الديزل والكاز، بما يحفظ استقرار السوق ويمنع انتقال الصدمة إلى قطاعات الإنتاج والنقل والمعيشة اليومية.
وشدد الصرايرة على أن هذه ليست سياسة تجميلية، وإنما إدارة واقعية للأزمة ضمن هامش مالي محدود ومسؤولية وطنية واضحة، مبينا أن الأردن لا يسعّر المحروقات بمنطق السوق المجرد، ولكن بمنطق حماية الاقتصاد والمجتمع معاً؛ والحكومة اليوم تمارس دورها الطبيعي في كبح الصدمة عبر الدعم الجزئي وإدارة المخزون والتسعير المتدرج، لا عبر نقل العبء كاملاً إلى المستهلك.
وعند الحديث عن أسعار الطاقة في الأردن، نبه الصرايرة إلى ضرورة فهم طبيعة الطلب الطاقوي الوطني؛ فالأردن يُعد من أكثر الدول اعتمادا على الاستيراد لتلبية احتياجاته من الطاقة، إذ لا ينتج النفط تجاريا، ويعتمد على أسواق عالمية مرتفعة الكلفة ومتقلبة سياسيا ولوجستيا.
ولفت الصرايرة إلى أن أن فاتورة الطاقة لا ترتبط فقط بمحروقات المركبات كما يعتقد البعض، بل تشمل منظومة واسعة تبدأ من توليد الكهرباء، وتشغيل قطاع النقل العام والشحن، ووقود الطائرات، والصناعة، والزراعة، وصولا إلى الاستخدامات المنزلية. وهذا يعني أن أي ارتفاع عالمي في النفط لا ينعكس على بند واحد، بل على كامل السلسلة الاقتصادية والخدمية.
وأكد أن الدولة، رغم ذلك، ما تزال تتحمل جزءاً من الكلف بشكل غير مباشر عبر إدارة التسعير، ودعم بعض القطاعات الحيوية، والحفاظ على استقرار التزويد، بما يمنع انتقال الصدمة بشكل كامل إلى الاقتصاد والمستهلك النهائي، مشددا على أن تقييم أسعار المحروقات في الأردن يجب أن يُقرأ ضمن معادلة الأمن الطاقي الوطني وكلفة الاستقرار، لا فقط من زاوية السعر المجرد عند المضخة.