«اقتصاد المناسبات» يرفع وتيرة الإنفاق خلال الأعياد
تنشيط قطاعات التجزئة والخدمات والنقل والتجارة الإلكترونية
أجمع خبراء اقتصاديون على أن قرار الحكومة بصرف رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين مبكراً قبل عطلة عيد الأضحى المبارك وعيد الاستقلال يحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية ونفسية مهمة، ويعكس مرونة في الإدارة المالية ووعياً بأهمية التوقيت الاقتصادي للسيولة في تحفيز الأسواق وتنشيط الطلب المحلي.
ولفت الخبراء، في أحاديث لـ«الرأي»، إلى أن ضخ هذه السيولة قبل العيد ينعكس مباشرة على الأسواق التجارية وقطاعات التجزئة والخدمات والسياحة والنقل، ويرفع من معدلات دوران الأموال داخل الاقتصاد الوطني، خاصة أن مواسم الأعياد تعد من أعلى الفترات من حيث الإنفاق الاستهلاكي.
وقالت وزارة المالية إن صرف رواتب العاملين والمتقاعدين في الجهازين المدني والعسكري سيبدأ يوم الأربعاء المقبل الموافق 20 أيار الحالي.
ويأتي قرار صرف الرواتب للمتقاعدين والعاملين تزامناً مع موعد الصرف الشهري وبدء العطلة الرسمية لعيد الاستقلال وعيد الأضحى المبارك، بما يمكن العاملين والمتقاعدين من تلبية متطلبات العيد.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن الرواتب التي ستصرف من قبل الحكومة، حيث يبلغ معدل الرواتب التقاعدية والشهرية حوالي 550 مليون دينار، إضافة إلى رواتب متقاعدي الضمان الاجتماعي التي تبلغ نحو 170 مليون دينار، تعني أننا نتحدث عن كتلة نقدية سيتم صرفها كرواتب وأجور بكلفة تتجاوز مليار دولار.
وأشار عايش إلى أن جزءاً من إنفاق الأسر سيتركز على مستلزمات عيد الأضحى، مما سيحرك شريحة واسعة من قطاع التجزئة.
ولفت عايش إلى أن هذا يعد شكلاً من أشكال تحريك الأسواق وفق ما يسمى بـ"اقتصاد المناسبات»، الذي يستدعي إنفاقاً إضافياً على احتياجات يتم طلبها خلال هذه المناسبات.
وبيّن عايش أن هذا الإنفاق يظهر القدرة على تمويل الفعاليات الاقتصادية المختلفة التي يحتاج فيها السوق إلى تحريك العجلة الاقتصادية.
وأشار عايش إلى أن مؤسسات الدولة، ومنها الضمان الاجتماعي ووزارة المالية، والتي تقوم بصرف الرواتب في أوقات المناسبات، تُظهر ملاءة هذه المؤسسات المالية.
بدوره، أكد الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب أن قرار الحكومة صرف رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين مبكراً قبل عطلة عيد الأضحى المبارك وعيد الاستقلال يحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية ونفسية مهمة، ويعكس مرونة في الإدارة المالية ووعياً بأهمية التوقيت الاقتصادي للسيولة في تحفيز الأسواق وتنشيط الطلب المحلي خلال واحدة من أكثر الفترات نشاطاً استهلاكياً في المملكة.
وأوضح الحدب أن صرف الرواتب قبل العيد لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يعد أداة اقتصادية مباشرة لتحفيز النشاط التجاري والاستهلاك المحلي، خاصة في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الطلب المحلي، الذي يشكل ما يزيد على 75% من الناتج المحلي الإجمالي الأردني.
وأشار إلى أن الكتلة النقدية المرتبطة بالرواتب والأجور في الاقتصاد الأردني تُعد من أكبر محركات النشاط الاقتصادي، حيث تُقدّر فاتورة الرواتب والتقاعد في القطاع العام، بما يشمل الموظفين المدنيين والعسكريين والمتقاعدين، بما يتراوح بين 650 و750 مليون دينار شهرياً، فيما تتجاوز فاتورة أجور القطاع الخاص 1.1 إلى 1.3 مليار دينار شهرياً، ما يعني أن إجمالي الرواتب المتداولة في الاقتصاد الأردني يقترب من ملياري دينار شهرياً.
وبيّن الحدب أن ضخ هذه السيولة قبل العيد ينعكس مباشرة على الأسواق التجارية وقطاعات التجزئة والخدمات والسياحة والنقل، ويرفع من معدلات دوران الأموال داخل الاقتصاد الوطني، خاصة أن مواسم الأعياد تعد من أعلى الفترات من حيث الإنفاق الاستهلاكي.
وأوضح أن مستويات الإنفاق خلال المواسم والأعياد ترتفع عادة بنسبة تتراوح بين 20% و35% مقارنة بالأشهر العادية، فيما قد ترتفع لدى بعض الأسر بنسب أكبر نتيجة زيادة الإنفاق على المواد الغذائية والألبسة والحلويات والضيافة والتنقل والسياحة الداخلية.
وأشار إلى أن هذه الخطوة سيكون لها أثر مباشر على تنشيط الأسواق التجارية والمولات والمحال والأسواق الشعبية، إضافة إلى تحفيز قطاعات المطاعم والمقاهي والنقل والتوصيل والتجارة الإلكترونية، التي تشهد عادة ارتفاعاً كبيراً في الطلب خلال فترة الأعياد.
وأضاف الحدب أن القطاع السياحي الداخلي سيكون من أبرز المستفيدين من هذه الخطوة، خاصة مع تزامن صرف الرواتب مع عطلة طويلة تشمل عيد الاستقلال وعيد الأضحى المبارك، ما سيدفع نحو زيادة الحركة السياحية إلى العقبة والبحر الميت والبترا وجرش وعجلون والمناطق الطبيعية والدينية المختلفة.
وبيّن أن القطاع السياحي يشكل أكثر من 14% من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة، فيما بلغت الإيرادات السياحية خلال عام 2025 نحو 7.8 مليار دولار، ما يجعل أي تحفيز للحركة السياحية الداخلية عاملاً مهماً في دعم النمو الاقتصادي والتشغيل.
وأشار إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة ستكون من أكثر المستفيدين من هذه الخطوة، خاصة أنها تشكل أكثر من 90% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في الأردن، وتعتمد بصورة كبيرة على المواسم والأعياد لتحسين مستويات المبيعات والتدفقات النقدية.
وأوضح أن القرار يحمل كذلك بعداً نفسياً واجتماعياً مهماً، إذ يخفف الضغوط المالية عن الأسر، ويمكنها من تلبية احتياجات العيد دون اللجوء إلى الاقتراض أو تأجيل الالتزامات الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع كلف المعيشة عالمياً.
وفي الوقت ذاته، أكد الحدب أهمية الإدارة الرشيدة للإنفاق خلال الفترة المقبلة، خاصة أن تقديم موعد الرواتب يعني عملياً إطالة الفترة الزمنية حتى موعد الراتب التالي، ما يتطلب من الأسر تعزيز ثقافة التخطيط المالي وترشيد الإنفاق وتجنب الاستهلاك العاطفي أو غير الضروري.
وأشار إلى أن بعض الدراسات المحلية تظهر وجود فجوة مستمرة بين مستويات الدخل والإنفاق لدى عدد من الأسر الأردنية، الأمر الذي يجعل من الضروري تعزيز الوعي المالي وثقافة الادخار وإدارة السيولة، خصوصاً خلال المواسم ذات الإنفاق المرتفع.
وأضاف أن العديد من الاقتصادات تعتمد على المواسم والأعياد كأداة اقتصادية لتحفيز الأسواق وتحريك الطلب المحلي، نظراً لما لذلك من أثر سريع على النمو والتشغيل والسيولة، وهو ما يجعل توقيت صرف الرواتب عاملاً مؤثراً في تعزيز النشاط الاقتصادي قصير الأجل.
وأكد أن قرار الحكومة يعكس كذلك حالة الاستقرار المالي والإداري للدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية بكفاءة وانتظام، بما يعزز ثقة المواطنين والأسواق بالسياسات الاقتصادية والمالية.
وأشار الحدب إلى أن هذه الخطوة تتكامل مع التوجهات الاقتصادية للحكومة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، التي تستهدف تحفيز النشاط الاقتصادي وتحسين جودة الحياة وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.
وختم الدكتور الحدب بالتأكيد على أن صرف الرواتب قبل العيد يمثل نموذجاً لقرارات اقتصادية واجتماعية ذات أثر مباشر وسريع على المواطنين والأسواق، ويعكس فهماً لأهمية إدارة التوقيت الاقتصادي للسيولة، بما يسهم في تنشيط الحركة التجارية والسياحية وتحفيز الأسواق وتعزيز الاستقرار الاجتماعي خلال فترة الأعياد.
وقال الخبير الاقتصادي منير دية إن مع بدء صرف رواتب شهر أيار تشهد الأسواق المحلية زيادة ملحوظة في حركة الشراء والإقبال من قبل المواطنين استعداداً لاستقبال عيد الأضحى المبارك، فمن المتوقع أن تشهد الأسواق في مختلف محافظات المملكة طلباً متزايداً على مستلزمات العيد خلال الأيام القليلة المقبلة.
وأشار دية إلى أن بدء صرف رواتب شهر أيار للعاملين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين يعني ضخ أكثر من نصف مليار دينار خلال الأيام المقبلة كسيولة في الأسواق، وهذا سينعكس إيجاباً على حركة القطاعات الاقتصادية المختلفة، وسيزيد من مستويات الطلب على معظم السلع والخدمات، وخاصة ما يتعلق بموسم العيد من مواد غذائية وملابس وحلويات وأضاحٍ وهدايا وغيرها.
ولفت إلى أن كثيراً من القطاعات الاقتصادية تعلق آمالاً كبيرة على انتعاش حركة السوق تزامناً مع صرف الرواتب وقرب حلول العيد، لتأمين السيولة الكافية لتسديد الالتزامات المالية المطلوبة منها، كرواتب الموظفين وإيجارات المحال وأثمان البضائع وفواتير الطاقة وغيرها من المصاريف التشغيلية، لذلك يعتبر موسم عيد الأضحى من المواسم المهمة والرئيسية التي يعلق عليها القطاع الاقتصادي آمالاً كبيرة.
وأضاف أنه مع قرب حلول العيد تبدأ الكثير من الشركات والمؤسسات والمحال التجارية بتقديم عروض وتخفيضات متنوعة سعياً لجذب المستهلكين في ظل المنافسة الكبيرة داخل الأسواق المحلية وحاجة السوق إلى السيولة النقدية.