من سوق شعبي في عمّان _ حيث الكرامة لا تُباع مع الخضار
الساعة السابعة صباحاً.
شهر أيار _ والهواء يبدأ يحمل دفء الصباح قبل أن تشتد الشمس. السوق بدأ يستيقظ. رائحة النعناع والبقدونس تملأ المكان. وأصوات الباعة ترتفع شيئاً فشيئاً.
وفي طرف الممر — كانت هناك امرأة عجوز.
تجلس خلف بسطتها الصغيرة. ترتب البندورة بهدوء. تزيل ورقة ذابلة عن الخس. ثم تعيد ترتيب كل شيء — كأنها ترتب يومها كله بيديها.
يدها ترتجف قليلاً.
لكن الميزان — لا يخطئ.
اقتربت منها وسألت عن سعر الخيار.
رفعت رأسها وابتسمت — ليست ابتسامة بائعة تريد أن تبيع أكثر. بل ابتسامة إنسان تعلّم أن يبقى لطيفاً مهما أتعبته الدنيا.
قلت لها: "الله يعطيكي العافية — لسا بتشتغلي كل يوم؟"
ضحكت بخفة. ولم تتوقف عن ترتيب الخضار.
وقالت:
"يا ابني — الإنسان طول ما بإيده يشتغل، بيضل واقف."
ثم أعادت نظرها إلى الميزان.
في جملة بسيطة — قالت شيئاً يبدو أن الحياة تحتاج عمراً كاملاً لتعلّمه.
الإنسان الذي يعمل لا يعمل فقط ليأكل. يعمل ليبقى واقفاً. ليقول للحياة: أنا هنا. لم أستسلم. لم أنكسر.
وهذه المرأة — بيدها المرتجفة وميزانها الدقيق — تقول هذا كل صباح بلا كلام.
بعد قليل — مرّت امرأة شابة تحمل أكياساً ثقيلة.
توقفت العجوز فوراً. واختارت لها أفضل ما عندها من الخضار. ثم وضعت حزمة نعناع صغيرة فوق الكيس وقالت ببساطة:
"هاي للبيت."
قالتها كأن الكرم عادة قديمة لا تحتاج تفكيراً.
الناس تمر من أمامها. بعضهم يشتري. وبعضهم يمر دون أن ينظر.
لكنها في كل الأحوال — ترتب ما أمامها بنفس الهدوء. ولا تغير إيقاعها لأن أحداً رآها أو لم يرَها.
لأن ما تفعله ليس للناس فقط.
هو لها أيضاً.
هو كرامتها التي ترتبها كل صباح مع البندورة والخيار والخس.
حين غادرت — كانت الشمس قد ارتفعت أكثر. والسوق أصبح مزدحماً.
وهي لا تزال في مكانها.
تزن للناس خضارهم — بيد ترتجف قليلاً.
وقلب لا يزال ثابتاً.
امرأة لا يعرف اسمها أحد خارج هذا السوق — تُعلّمنا كل صباح بلا كلام:
أن الإنسان لا يقف بقوة جسده — بل بإرادة روحه.
أنا لا أكتب عنكم. أنا أكتب منكم.
"ما زلت أبدأ كل يوم كما لو أنه أول يوم لي"
— من سوق شعبي في عمّان
حيث بعض الناس يكبر عمرهم — ولا تنكسر وقفتهم..