الأردن.. صمام أمان الشرق الأوسط

تاريخ النشر : الخميس 12:31 21-5-2026
د. شهاب المكاحله

في قلب منطقة لا تعرف معنى الاستقرار إلا كاستثناء مؤقت، حيث تتفكك الدول، وتتداخل الحروب، وتتبدل التحالفات كما يتبدل السراب في الصحراء، يقف الأردن كجدار لا تهزه العواصف، وكصخرة لا تلينها الأمواج، وكصوت عاقل في مجلس يصرخ فيه الجميع دون أن يستمع أحد. الأردن ليس دولة عابرة في قاموس الجغرافيا السياسية، بل هو المشروع الوحيد الذي نجح في الشرق الأوسط المعاصر، حيث مزج بين الأصالة والحداثة، بين الانفتاح والثبات على المبادئ، بين القوة الناعمة والحكمة الصلبة التي لا تنكسر.

دور الأردن في استقرار المنطقة ليس ترفاً دبلوماسياً، وليس مجرد دور ثانوي في مسرحية كبرى يؤدها آخرون، بل هو الدور المحوري الذي يمسك بخيوط اللعبة كلها، من فلسطين إلى العراق إلى سوريا، ومن الخليج إلى أوروبا، دون أن يملك من القوة المادية ما يملكه الأخرون. هذا هو سر الأردن: إنه الرأس الذي لا ينحني والحاضر الذي لا يغيب.

وعلى رأس هذه المنظومة الهشة والمعقدة، يقف جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، رجل استثنائي في زمن التحديات والمصالح الضيقة، قائد فهم أن الاستقرار ليس كلمة تقال في خطب التنصيب، بل هو دماء تدفع، وجراح تتحمل، ومواقف تتخذ في اللحظة التي يتراجع فيها الجميع إلى الوراء. الملك عبدالله لم يورث العرش فحسب، بل ورث مدرسة كاملة في القيادة، مدرسة الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، التي أسست لفكرة أن الأردن يمكن أن يكون واحة أمن في بحر من الفوضى، وأن يكون دائماً في الصف الأمامي للدفاع عن قضايا الأمة دون أن ينتظر من أحد جزيل الشكر أو حتى مجرد اعتراف بالجميل.

شهد العالم كيف أدار الملك عبدالله الثاني ملف القدس في أحلك لحظاته، كيف حافظ على الوصاية الهاشمية رغم كل الضغوط، كيف جعل من الأردن السند الحقيقي للفلسطينيين حين تخلى عنهم من كانوا يعدونهم بالنصر، وكيف حوّل الدبلوماسية الأردنية إلى أداة حادة لا تقل فاعلية عن أي جيش. لكن الأردن اليوم يخطو خطوة جديدة لا تقل أهمية: خطوة ولي العهد، الأمير الحسين بن عبدالله، الشاب الذي يحمل على كتفيه ليس فقط تاجاً سيأتي يوماً، بل أمل جيل كامل، ليس في الأردن فقط، بل في كل من يريد لهذه المنطقة أن تتنفس بدون ألم.

الأمير الحسين لم يأتِ إلى المشهد السياسي مصادفة، ولم يُصنع في معمعة البروتوكولات الملكية الباردة، بل جاء من رحم التجربة، من الميدان، من التدريب العسكري، من اللقاءات الشبابية، من الجولات الميدانية التي لا تغطيها الكاميرات، ومن الرسائل الصامتة التي تقول: "أنا معكم، أفهمكم، وسأكون لكم." في زمن عزفت فيه نخب كثيرة عن لمس هموم الناس، اختار الأمير الحسين أن يكون قريباً من الجندي على الحدود، ومن الطالب في الجامعة، ومن اللاجئ في المخيم، ومن رجل الأعمال الذي يكافح، ومن الأم التي تربي أولادها على حب الوطن رغم قسوة الظروف. هذا هو الأسلوب، ليس أسلوب الوعود البراقة، بل أسلوب الحضور الصامت والفعل المؤثر.

ما يفعله ولي العهد اليوم هو استكمال لمشروع وطني بدأه جده وأبوه، لكنه يعيد تقديمه بلغة جديدة تناسب جيلاً جديداً يعيش في عالم من الصور والمشاهد السريعة، يحتاج إلى قدوة حية لا إلى تماثيل من رخام. والأردن، في كل هذا، يبقى السؤال الأصعب الذي يواجه كل من يحاول فهم المنطقة: كيف لدولة بلا نفط، بلا غاز، بلا موارد طبيعية تذكر، أن تتحمل أعباء لا تتحملها دول تمتلك كل شيء؟ كيف لاقتصاد هش أن يستضيف ملايين اللاجئين دون أن ينهار؟ كيف لنظام سياسي محاصر من كل جانب أن يبقى متماسكاً، منفتحاً، ديمقراطياً ضمن ما هو ممكن، وحاسماً في ملفاته الأمنية دون أن يتحول إلى ثكنة عسكرية؟

الجواب ببساطة هو: القيادة. القيادة التي تفهم أن الأردن ليس مجرد وطن، بل هو فكرة ورسالة ونموذج. والقيادة التي تعرف أن الاستقرار في الشرق الأوسط ليس رفاهية، بل هو حاجة وجودية للجميع، بما في ذلك الغرب نفسه الذي ينام مرتاحاً لأنه يعلم أن هناك عاصمة اسمها عمان لا تزال ممسكة بزمام الأمور في واحدة من أكثر المناطق انفجاراً في العالم. لطالما قيل إن الأردن "صمام الأمان" و"حائط الصد" و"الملاذ الآمن"، وهذه العبارات قد تبدو للوهلة الأولى مجرد كلمات إنشائية أو تحيات دبلوماسية باردة، لكنها في الحقيقة أقرب إلى التشخيص الطبي الدقيق، لأن المنطقة بدون الأردن، وببساطة شديدة، كانت ستنفجر عشرات المرات.

انفجرت الأوضاع في عدة دول عربية مراراً، لكن الأردن بقيلأنه يملك من يعرفون معنى أن تكون أردنياً في هذا الزمن الصعب، وبقي لأنه يملك قيادة لا تراهن على الرياح، بل تبني من الرياح قلعة، ومن العواصف فرصاً، ومن التهديدات تحصينات. الملك عبدالله الثاني يدرك أن الأردن ليس في وارد أن يصبح طرفاً في صراعات المنطقة، بل وسيطاً فيها، ليس من الضعف، بل من القوة، من ذكاء السياسة، ومن إدراك أن القوة الحقيقية ليست في تدمير الآخرين، بل في منع تدمير نفسك والآخرين معاً. وهذه حكمة قلما تجدها في زمن الملوك والرؤساء الذين يقيسون قوتهم بعدد الخصوم الذين أقصوهم، أو عدد الحروب التي شنتها طائراتهم.

الأردن يمارس السياسة كما يفهمها الهاشميون: سياسة الموازنة، سياسة عدم الانجراف وراء العواطف، سياسة البقاء في المنتصف الصلب، لا المنتصف الضعيف. والأمير الحسين يتعلم هذه السياسة بسرعة، ليس في قاعات المحاضرات، بل في غرف العمليات، وفي زيارات الميدان، وفي استقبال القبائل، وفي مصافحة الجنود، وفي الوقوف بجانب الأرامل والأيتام. إنه وريث مدرسة، لكنه يكتب فصوله الخاصة، فصولاً تعرف كيف تخاطب العالم بلغته، دون أن تنسى لغتها الأولى: لغة الكرامة العربية الأصيلة.

في النهاية، لا يمكن الحديث عن الأردن دون ذكر شيء واحد قد يكون الأهم: الأردن لا يطلب كثيراً، لكنه يعطي الكثير. يعطي الأمن، ويعطي الاستقرار، ويعطي الوساطة، ويعطي النموذج، ويعطي رسالة مفادها أنه ما زال في منطقتنا من يستطيع أن يحكم بالعقل والقلب معاً، لا بالحديد والنار. وهذا هو الاستثمار الأذكى الذي يمكن لأي قوة كبرى أن تقوم به: الاستثمار في الأردن، في قيادته، في شبابه، في ولي عهده، وفي مستقبل فكرته التي تزداد أهمية كلما تعمقت الفوضى حوله.

الملك عبدالله الثاني يبني اليوم إرثاً ليس له فقط، بل للأمير الحسين من بعده، إرثاً قوامه: "الأردن أولاً، لكن الأردن ليس جزيرة. الأردن جزء من هذا البحر المتلاطم، يعرف كيف يسبح تحت الأمواج وهذه مهارة لا يتقنها إلا القلائل. وسيبقى الأردن، بإذن الله، بخير، لأنه بحنكة قيادته الهاشمية، وبصبر مثل صبر شعبه، وبحكمة لا تُشترى بالنفط ولا تُباع بالذهب، فإنه سيظل كما كان دائماً: الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، والكلمة الفصل في قصة لم تنتهِ بعد. ولعل الأمير الحسين، وهو يتدرج في المسؤولية يوماً بعد يوم، هو تأكيد أن هذه القصة ستستمر، ليس بنفس الأبطال، ولكن بنفس الروح. روح الهاشميين. روح الأردن. روح من يعرفون أن الاستقرار ليس هدية، بل التزام.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }