إلا أن التركيز في هذه القضية يجب ألا يكون على طبيعة الحكم وتبعاته الدستورية بقدر ما يتعلق بمضمونه والأساس القانوني الذي استند إليه، حيث تفيد المعلومات المتداولة أن قرار الإدانة استند إلى المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2023، التي تجرم نشر أو إعادة نشر بيانات أو معلومات عبر الشبكة المعلوماتية أو منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي، أو تتضمن ذما أو قدحا أو تحقيرا لأي شخص. فهذا الحكم غير القطعي يمثل مناسبة قانونية لإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الحصانة البرلمانية لأعضاء مجلس النواب وحرية الكلام المقررة لهم من جهة، والخضوع لأحكم القانون من جهة أخرى.
إن حرية الرأي والتعبير تشكل إحدى الركائز الجوهرية للعمل الرقابي النيابي؛ فالنائب يمثل الأمة ويمارس دورا رقابيا وسياسيا يقتضي تمكينه من التعبير بحرية عن مواقفه وانتقاد السياسات الحكومية دون خوف أو تضييق. وقد كرس المشرع الدستوري هذا الحق لأعضاء مجلس الأمة في المادة (87) من الدستور، التي تمنح كل عضو ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي للمجلس الذي هو منتسب إليه، ولا تجيز مؤاخذة العضو بسبب أي تصويت أو رأي يبديه أو خطاب يلقيه في أثناء جلسات المجلس.
إلا أن هذه الحرية الدستورية المقررة لأعضاء مجلس النواب في الكلام والنقاش دون تقرير مسؤولية جزائية عليهم ليست مطلقة، بل ترد عليها مجموعة من الشروط، أولها أن يكون الرأي أو الخطاب قد صدر أثناء جلسات المجلس، وثانيها أن يكون ذلك ضمن حدود النظام الداخلي للمجلس. وبالتالي، فإن الحماية الدستورية الخاصة بالنائب ترتبط اتصالا مباشرا بممارسة الوظيفة النيابية داخل المؤسسة التشريعية، ولا تمتد لتشمل ما يصدر عنه خارجها من تصريحات إعلامية أو منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، تبرز الأهمية الدستورية للحكم القضائي غير القطعي الصادر في هذه القضية؛ لأنه يكرس اتجاها قانونيا وقضائيا واضحا مؤداه أن الخطاب السياسي أو الإعلامي الصادر عن النائب خارج إطار العمل البرلماني يبقى خاضعا للقواعد العامة ولأحكام التشريعات النافذة، بما فيها قانون الجرائم الإلكترونية. فصفة النائب لا تمنحه حصانة شاملة أو مطلقة على كل ما يقوله أو ينشره، خاصة عندما يتعلق الأمر بعبارات قد تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أو نشر أخبار كاذبة أو مساس بالأمن والسلم المجتمعي.
إن المصلحة الدستورية تقتضي عدم توسيع مفهوم حرية التعبير للنائب إلى الحد الذي تصبح معه وسائل التواصل الاجتماعي امتدادا غير محدود للحصانة البرلمانية. فهذه المنصات، رغم أهميتها في التواصل السياسي والشعبي، تبقى فضاء عاما يخضع للقانون شأنها شأن أي وسيلة نشر أخرى، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمعلومات غير الدقيقة وخطابات الإساءة والتشهير والتحريض. ولذلك، فإن إخضاع ما ينشره النائب عبر هذه الوسائل للرقابة القضائية لا يشكل انتقاصا من حريته النيابية، وإنما يمثل تطبيقا لمبدأ سيادة القانون وضمانا للتوازن بين حرية التعبير وحماية حقوق الأفراد والمجتمع.
خلاصة القول، إن حرية الرأي والتعبير المقررة للنائب تعد ضمانة دستورية أساسية لتمكينه من أداء دوره التشريعي والرقابي بحرية واستقلال، إلا أن هذه الحماية تبقى مرتبطة بطبيعة العمل البرلماني وحدوده الدستورية، ولا تمتد بصورة مطلقة إلى جميع أشكال الخطابات أو الأنشطة الإعلامية خارج إطار المؤسسة التشريعية. ومن هنا، فإن الحكم النهائي في هذه القضية، بعد استكمال مراحل التقاضي، سيشكل فرصة قانونية مهمة لترسيخ اجتهاد قضائي أكثر وضوحا في تحديد نطاق حرية الرأي والتعبير المقررة للنائب، وبيان حدود خضوعه لأحكام القانون.