المفارقة أن كثيراً من المدارس الخاصة تفتح أبوابها صيفاً لمخيمات وبرامج موسمية، بينما تبقى آلاف المدارس الحكومية، وهي الأقرب إلى الأحياء والمجتمعات المحلية، مغلقة في الوقت الذي يكون فيه الأطفال بأمسّ الحاجة إلى فضاءات منظمة وآمنة ومفيدة. ورغم أن وزارة التربية والتعليم سبق أن نفذت عبر السنوات برامج وأندية صيفية، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من مبادرات متفرقة إلى برنامج وطني متكامل ينظر إلى الأشهر الثلاثة الصيفية على أنها فرصة لبناء الشخصية، والانتماء، والقيم، والمهارات، لا مجرد فراغ بين عامين دراسيين.
ومع ما نراه من عزلة رقمية، وسهر طويل، وخمول بدني، وتنامي القلق والعزلة، ومع ما يرافق ذلك من هشاشة قد تجعل بعض أبنائنا فريسة لضعاف النفوس أو للانحراف أو لمروجي المخدرات، لم يعد ممكناً التعامل مع الصيف باعتباره شأناً عائلياً خاصاً فقط. نعم، توفر وزارة الأوقاف حلقات ومراكز لتحفيظ القرآن، وهي مبادرات مهمة في تعزيز القيم الدينية وملء جزء من الوقت، لكنها لا تكفي وحدها لتلبية حاجة الأطفال، خصوصاً المراهقين، إلى الحركة والعمل الجماعي وتفريغ الطاقة.
لذلك، يجب فتح أبواب المدارس الحكومية كمعسكرات صيفية ضمن برنامج وطني تشارك في تصميمه التربية، والشباب، والأوقاف، والجامعات، والأندية الرياضية، والأمن العام، والخبراء. وهنا يجب القول بصريح العبارة إن هذا الملف يحتاج إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، بحيث تسهم المدارس الخاصة في تنفيذ برامج داخل المدارس الحكومية أو في إشراك عدد من طلبة الحكومة في مخيماتها. هذه الشراكة لا توسع الفرص فقط، بل تكسر الصور النمطية بين طلبة المدارس الخاصة والحكومية.
كما يتيح المشروع دخلاً إضافياً للمعلمين والمعلمات من خلال العمل الصيفي المنظم، ويمكن أيضاً إشراك اليافعين من عمر 15 إلى 17 عاماً كمساعدين وقادة أنشطة بحوافز مالية، فيتعلمون القيادة والعمل والكسب المبكر بكرامة. والأهم أن هذا المشروع سيغير صورة المدرسة في أذهان أبنائنا من مكان للدراسة فقط إلى مساحة للمتعة الهادفة والانتماء. العطلة الصيفية ليست فراغاً؛ إنها فرصة دولة ومشروع وطن ومسؤولية لا تحتمل التأجيل.