ما أقره مجلس الوزراء برئاسة الدكتور جعفر حسان لا يمكن قراءته باعتباره تعديلات فنية فقط، بل محاولة حقيقية لإعادة "بناء العلاقة" بين المستثمر والدولة، خصوصا أن المستثمر لا يبحث اليوم عن الإعفاءات بقدر ما يبحث عن وضوح الطريق،واختصار الوقت، وتقليل التعقيدات التي تستنزف المال والجهد معا.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الأردن لم يكن يعاني من نقص الفرص الاستثمارية، بل من بطء الإجراءات وتداخل المرجعيات أحيانا، وهي كلف خفية كانت تدفع بعض المستثمرين لإعادة التفكير أو التوجه إلى أسواق أكثر مرونة وسرعة، وهذا ما أدركته هذه الحكومة منذ أيامها الأولى.
المستثمر لا ينتظر، ورأس المال بطبيعته جبان، يذهب إلى "البيئة" الأكثر استقرارا والأسرع إنجازا والأقل تعقيدا، ولذلك فإن أي إصلاح تشريعي لا يختصر زمن الموافقات ولا يخفف البيروقراطية يبقى مجرد نصوص على الورق.
أهمية التعديلات الجديدة أنها تلامس جوهر المشكلة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتقليص مدد التراخيص، وإدخال مفهوم الترخيص شرطا للامتثال، وهي خطوة تعكس تحولا مهما في فلسفة الإدارة الاقتصادية، من عقلية التعطيل المسبق لعقلية تمكين المشروع ومتابعة التزامه لاحقا.
هذه النقطة تحديدا شديدة الأهمية، لأن المستثمر حين يخسر أشهرا بين الموافقات والتراخيص فهو يخسر مالا وفرصا وسوقا، بينما الاقتصاد يخسر فرص تشغيل ونموا واستثمارات كان يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية.
كما أن توسيع الحوافز لتشمل مشاريع التوسعة والتطوير يحمل بعدا اقتصاديا ذكيا، لأن الحفاظ على المستثمر القائم لا يقل أهمية عن استقطاب مستثمر جديد، بل ربما يكون أكثر جدوى و أسرع أثرا على التشغيل والنمو.
خلاصة القول، الرسالة الأهم في التعديلات أن الحكومة بدأت تدرك أن جذب الاستثمار لا يتحقق بالمؤتمرات والترويج فقط، بل ببناء بيئة يشعر بها المستثمر أن الدولة شريك في النجاح لا عقبة أمامه، وما حدث يمثل خطوة مهمة بالاتجاه الصحيح، لكن النجاح الحقيقي هو عندما يشعر المستثمر أن كلفة الوقت في الأردن أصبحت أقل، وأن القرار أسرع، وأن البيروقراطية لم تعد تتحكم بمصير المشاريع.