تُعدّ المباني التراثية في مدينة العقبة جزءا أصيلا من الذاكرة التاريخية والبصرية للمدينة، لما تحمله من تفاصيل معمارية تعبّر عن طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها العقبة عبر عقود طويلة، وفي ظل التطور العمراني المتسارع تبرز أهمية توثيق هذا الإرث العمراني والحفاظ عليه بوصفه عنصرًا ثقافيًا وسياحيًا يعكس هوية المدينة الساحلية وتاريخها الحضاري ويحفظ سرديتها بشواهد حقيقية ما تزال قائمة حتى اليوم.
وأكدت الدكتورة رانيا قدحات من كلية السياحة والفندقة في الجامعة الأردنية، أن دراستها حول “التوثيق العمراني للمباني التراثية في العقبة: منهجيات ميدانية ورؤى تطبيقية للحفاظ على الهوية المعمارية” هدفت إلى توثيق وتحليل المباني التراثية في منطقة البلدة القديمة والمنطقة التجارية الثانية الشرقية، باعتبارهما من أبرز المناطق التي ما تزال تحتفظ بملامح العمارة التقليدية الساحلية في جنوب الأردن.
وقالت قدحات الى "الرأي" إن الدراسة اعتمدت على منهج وصفي تحليلي قائم على المسح الميداني الشامل، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم الهندسي للعناصر المعمارية، إضافة إلى استخدام نظم المعلومات الجغرافية GIS لإنشاء قاعدة بيانات رقمية متكاملة للمباني التراثية وربطها بمواقعها الجغرافية، مشيرة إلى أنه تم خلال المشروع توثيق (50) مبنى تراثيا ضمن جدول الحصر في البلدة القديمة والمنطقة التجارية الثانية الشرقية، حيث جرى حصرها ميدانيا وفق نموذج موحّد.
وأضافت أن الدراسة شملت كذلك جمع روايات شفوية من السكان وكبار السن لتوثيق الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بالمباني القديمة، وما تحمله من قصص تعبّر عن طبيعة الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية التي تميزت بها العقبة القديمة.
وأوضحت قدحات أن نتائج الدراسة كشفت عن وجود نمطين رئيسيين من العمارة التقليدية في العقبة، الأول يتمثل في البيوت المفتوحة على فناء داخلي “الحوش”، والتي عكست مفهوم السكن العائلي المتكامل بيئيًا واجتماعيًا، فيما تمثل النمط الثاني في مباني “العلِّيَة”، وهي مبانٍ تضم طابقًا علويًا صغيرًا مكوّنًا من غرفة واحدة وقد كان عدد هذه العليات محدودا للغاية .
وأكدت أن الدمج بين التوثيق الميداني والتحليل المعماري والتقنيات الرقمية الحديثة شكّل نهجًا علميًا متكاملًا في توثيق وحفظ العمارة التقليدية، بما يسهم في دعم السياحة التراثية والحفاظ على الهوية العمرانية والبصرية للمدن التاريخية، مبينةً أن الحفاظ على المباني التراثية لا يقتصر على صيانة الحجر فقط، بل يمتد ليشمل حماية الذاكرة الاجتماعية والهوية الثقافية المرتبطة بالمكان، باعتبار العمارة التقليدية سجلًا حيًا لتاريخ المدينة وتطورها الحضاري.
وأوصت قدحات بتبني برامج وطنية متكاملة لحماية المباني التراثية في العقبة تقوم على صونها وإعادة تأهيلها وإعادة توظيفها بما ينسجم مع قيمتها المعمارية والاجتماعية، من خلال تحويل بعضها إلى بيوت ضيافة تراثية أو متاحف محلية أو مراكز ثقافية ومعارض للحرف التقليدية، إلى جانب إيجاد مسار تراثي وثقافي يسهم في تنشيط السياحة الثقافية وتعزيز الهوية العمرانية للمدينة.
كما أوصت خلال الدراسة بتطوير قاعدة بيانات جغرافية رقمية تفاعلية للمباني التراثية تتيح التحديث المستمر للبيانات المكانية والوصفية وربطها بالصور والوثائق والمخططات الهندسية، ضمن إطار مؤسسي مشترك بين الجهات المعنية بالتراث والتخطيط العمراني، بما يدعم رقمنة إدارة التراث العمراني ويسهم في رصد حالة المباني وصيانتها ودعم التخطيط للمسار التراثي في المدينة.
وأكدت قدحات أن الحفاظ على المباني التراثية يمثل مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود الأكاديمية والمؤسساتية والمجتمعية، لضمان استدامة مشاريع التوثيق والحفاظ العمراني، ونقل هذا الإرث الثقافي والمعماري للأجيال القادمة، بما يعزز مكانة العقبة كمدينة تجمع بين الحداثة وعمقها التاريخي والتراثي.