في التاريخ السياسي والعسكري، لا تبدأ الأخطاء الكبرى دائماً من ضعف الإمكانيات، بل من الثقة المفرطة في أدوات التحليل، كثير من القوى العظمى لم تخسر لأنها كانت أقل قدرة من خصومها، بل لأنها اعتقدت أن امتلاك التكنولوجيا والمعرفة الرقمية يمنحها القدرة على السيطرة الكاملة على مسار الأحداث.
هذا الاعتقاد يتكرر في كل مرحلة تاريخية تقريباً. فمع كل تطور تقني، يظهر جيل جديد
من صناع القرار يظن أن أدواته أكثر دقة من أدوات من سبقوه، وأن الحروب أصبحت قابلة للقياس والإدارة بطريقة تشبه الحسابات الاقتصادية أو النماذج الإدارية ، لكن الواقع يثبت باستمرار أن الحروب ليست معادلات مغلقة، وأن الإنسان والجغرافيا والتاريخ لا يمكن اختزالهم إلى بيانات رقمية.
في ستينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تعتقد أن حرب فيتنام يمكن إدارتها عبر الأرقام، تم تحويل الصراع إلى مؤشرات كمية: عدد الضربات الجوية، عدد القتلى، حجم السيطرة على الأرض، ونسب التقدم الميداني، كانت الفكرة تقوم على أن الضغط المتزايد سيؤدي في النهاية إلى انهيار الخصم، لكن ما لم يتم فهمه في ذلك الوقت هو أن الحروب لا تُحسم دائماً بمنطق القوة المباشرة، بل بقدرة الطرف الآخر على الصمود وإعادة تعريف شروط المواجهة.
اليوم، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من الإيمان المفرط بالتكنولوجيا العسكرية: الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة، وأنظمة المراقبة المتقدمة تمنح صناع القرار شعوراً بأن كل شيء قابل للرصد والتوقع. لكن هذا الشعور قد يكون مضللاً، لأن القدرة على جمع المعلومات لا تعني بالضرورة القدرة على فهمها.
البيانات قد تكشف الحركة، لكنها لا تفسر الدوافع، الخوارزميات قد ترصد نمطاً معيناً، لكنها لا تستطيع دائماً التمييز بين التهديد الحقيقي والضوضاء، وحتى أكثر الأنظمة تطوراً تبقى أسيرة الافتراضات التي صُممت على أساسها وهنا يظهر الخطر الحقيقي: عندما تتحول التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى مرجعية نهائية لاتخاذ القرار.
في كثير من الأحيان، يصبح صانع القرار أسيراً للشاشة أكثر من الواقع، فكلما زادت كمية المعلومات، ازداد الاعتقاد بأن الصورة أصبحت مكتملة، لكن التاريخ يثبت أن كثافة البيانات لا تعني وضوح الرؤية. قد يبدو المشهد مفهوماً داخل غرف العمليات، بينما يكون الواقع على الأرض أكثر تعقيداً وغموضاً.
إيران، بحكم موقعها الجغرافي وتركيبتها السياسية والتاريخية، لا تمثل نموذجاً تقليدياً يمكن التعامل معه عبر أدوات الردع الكلاسيكية فقط ، فهي ليست مجرد دولة تواجه ضغوطاً خارجية، بل كيان يمتلك خبرة طويلة في التكيف مع الأزمات، خلال العقود الماضية، أظهرت إيران قدرة على امتصاص العقوبات، وإعادة توزيع أدوات نفوذها، وتحويل الضغوط إلى مساحات للمناورة.
وهذا ما يجعل أي قراءة عسكرية مباشرة للصراع قراءة ناقصة، فالمعادلات التي تعتمد فقط على حجم القوة أو دقة الضربات قد تتجاهل حقيقة أن بعض الصراعات لا تُحسم بالسرعة التي يتوقعها المخططون.
في التجارب التاريخية الكبرى، كثيراً ما بدأت الحروب بأهداف محدودة، لكنها تحولت لاحقاً إلى التزامات طويلة ومعقدة القوى الكبرى غالباً لا تدخل الصراع وهي تتوقع الغرق فيه، لكنها تكتشف لاحقاً أن الخروج أصعب من الدخول.
المشكلة ليست فقط في قرار الحرب، بل في الطريقة التي يتم بها تعريف النجاح عندما يصبح النجاح مرتبطاً بإحصاءات ومؤشرات رقمية، يبدأ تجاهل العوامل غير القابلة للقياس:
- الإرادة السياسية.
- قدرة المجتمعات على الاحتمال.
- ومرونة الخصم في تغيير قواعد اللعبة.
في الحروب الحديثة، قد يبدو التفوق التكنولوجي ساحقاً، لكن ذلك لا يعني أن الطرف الآخر عاجز عن التكيّف فالتاريخ يثبت أن الأطراف الأقل قوة غالباً ما تلجأ إلى إعادة تعريف الصراع بطريقة تقلل من أثر التفوق العسكري المباشر.
التفوق في المعلومات لا يعني امتلاك الحقيقة ، والاعتماد الزائد على النماذج الرقمية قد يخلق إحساساً زائفاً باليقين وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات العصر الحديث: الاعتقاد بأن كل شيء يمكن التنبؤ به.
الحرب ليست نظاماً مغلقاً يمكن التحكم فيه بالكامل إنها مساحة تتداخل فيها المصالح، والتقديرات، وسوء الفهم، وردود الفعل غير المتوقعة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الخطأ في التقدير أكثر احتمالاً كلما ازداد الاعتقاد بغيابه.
ربما لا تتكرر الحروب بالطريقة نفسها، لكن الأخطاء الفكرية التي تقود إليها تتكرر كثيراً فكل جيل يعتقد أنه أكثر ذكاءً من السابق، وأن أدواته تمنحه تفوقاً حاسماً، لكن ما ينساه كثيرون هو أن التكنولوجيا مهما تطورت، لا تستطيع إلغاء الطبيعة غير المتوقعة للصراع.
في النهاية، لا تكمن خطورة الحروب الحديثة فقط في الأسلحة المستخدمة، بل في الطريقة التي يتم بها فهم الواقع فحين يتحول القرار السياسي إلى انعكاس مباشر للبيانات، يصبح احتمال الوقوع في الوهم أكبر من احتمال الوصول إلى الحقيقة.
وهنا تحديداً تبدأ أخطر لحظة: عندما يعتقد صانع القرار أن ما يراه على الشاشة هو العالم كما هو، لا العالم كما تفسره الخوارزميات.
*باحث في الاقتصاد السياسي الدولي.