زْهَيَّة.. خمسينية عزباء تعيش الوحدة بكل تفاصيلها.. لا زوج، لا أب، لا أم، ولا أبناء، تحيا وتقطن هنا وحدها..
لا عمل لديها ولا دخل ولا معيل، فالمرض الذي أصابها مبكرا منعها من مزاولة أي عمل.
لا أحداث تذكر في مجريات حياتها.. لا شيء يقتل سكون يومها الطويل.. وقسوة وحدتها الصامتة.. سوى هبوط الليل الذي يرشدها إلى فراشها.. لتستغرق في نوم يشبه هدوء نهارها وسكونه..
تمر الحياة عليها بطيئة.. كل شيء يسير ببطء، الزمن عندها يسير متمهلا تارة ويتوقف تارة أخرى..
«زْهَيَّة» التي داهمتها الأمراض مبكرا.. مبتسمة رغم المرض رغم شدة الفقر ورغم المعاناة.. الابتسامة تسبق أي حديث يجري على لسانها، ابتسامة ممزوجة بالخجل والتوتر.. والرهبة أحيانا.
المرض أثر في سير حياتها، خضعت لعدد من العمليات الجراحية غير الناجحة، ما جعلها عاجزة عن العمل، فلا عمل تقوى على امتهانه لتعيل نفسها منه... فهي تعتاش على خمسين ديناراً معونة حكومية..
أخوتها يعيشون بالقرب منها، يساهمون بشيء من إيناس وحدتها، لا شيء غير ذلك يستطيعون تقديمه، فظروفهم المعيشية والاقتصادية لا تختلف كثيرا عن ظروف أختهم.. الفقر وضيق الحال عنوان مشترك بينهم.
مسكنها غرفتان منفصلتان عن بعضهما.. إحداها مطبخ، خالٍ من مضمون ما يسمى بالمطبخ، ليس فيه من أدوات المطبخ سوى موقد طهي قديم، جدرانه متشققة مهترئة، سقفه من عيدان القصب والباطون غير المسلح، يتسلل ماء الأمطار من خلاله إلى البيت, تحلم بأن تتلقى مساعدة لبناء مطبخ وحمام.
كانت تعيش مع والديها.. ثم توفي والدها الذي كان يعمل ويعيلهما.. توفي الوالد منذ ما يقرب من عشرين عاما.. ما اضطر الوالدة إلى العمل وإعالتها.. حتى توفيت الوالدة من نحو عامين.. وتركت غاليتها «زْهَيَّة» وحيدة تقاسي مصيرها..
وفي هذا الصدد قالت زهيّة إنها تقضي معظم وقتها داخل المنزل، وأنها تعيش في عزلة شبه تامة، وأضافت: «لا يوجد مكان أذهب إليه، ولا أحد يزورني، فلا يوجد عندي مكان يناسب لاستقبال الزوار».
وأوضحت أنها تلجأ أحيانًا للجلوس خارج المنزل أو زيارة بيت شقيقها، مشيرة إلى أن إخوتها هم العائلة الوحيدة المتبقية لها، إلا أن أوضاعهم المعيشية صعبة، ولا يملكون القدرة على مساعدتها بشكل دائم.
وأشارت زْهيّة إلى أن وضعها الصحي لا يسمح لها بالعمل، موضحة أنها خضعت لعدة عمليات جراحية غير ناجحة، من بينها عملية فتق بالأمعاء، ومنذ ذلك الوقت لم تعد قادرة على العمل.
وأضافت أنها أجرت عمليتين أخرتين، حيث أُغلقت الأمعاء، ما اضطرها للبقاء في المنزل لمدة ستة أشهر دون خروج، قبل أن تعاود التعب وتخضع لعملية أخرى جديدة.
وأكدت أنها تعيش حاليًا على مساعدة شهرية مقدارها 50 دينارًا من وزارة التنمية الاجتماعية، وبالرغم من أن المدخول لا يكفي لتغطية احتياجات الحياة الأساسية، إلا أنها تحاول إدارة شؤون منزلها البسيطة.
وأعربت عن الأسى الذي تعيش به في بيت يفتقر لأبسط مقومات الحياة، وعن أملها بأن يتم مساعدتها في بناء مطبخ وحمام داخلي، إضافة إلى غرفة مناسبة.
وتابعت زهيّة حديثها بأنها تنام وحدها في غرفة بسيطة، وتملك تلفازًا يعود لشقيقها، وغسالة حصلت عليها بمساعدة أشخاص محسنين.
وفي ختام حديثها، قالت زهيّة إن حياتها تغيرت بعد وفاة والديها، حيث كانت تعيش معهما سابقًا في كنف أسرة واحدة، وكان والدها يعمل ويعيل الأسرة، وبعد وفاته بقيت مع والدتها حتى رحيلها، لتجد نفسها وحيدة اليوم. وأكدت أن أمنيتها الكبرى في الحياة هي أداء العمرة وزيارة بيت الله الحرام.
الرأي الإنساني.. نافذةٌ للأمل
تُطلق الرأي خلال هذا الشهر الفضيل، مبادرة إنسانية، تحمل الأمل لمن هم بأمسّ الحاجة إليه.. مبادرةٌ نأمل منها أن تضيء دروب الأسر الفقيرة، والأفراد الذين يعانون ظروفًا صعبة…
مبادرةٌ تسعى لأن تشكل حلقة الوصل بين أصحاب الخير.. وبين من ينتظرون يد العون. وتفتح باب الإحسان أمام القلوب الرحيمة، أسميناها: «$ الإنساني.. نافذة للأمل»..
من قلب الميدان.. فريق «الراي الإنساني» ينقل إليكم قصصًا حقيقية.. مشاهد من الواقع، تعكس آلامًا.. وتحمل طموحاتٍ تنتظر من يُحققها..
نحن هنا.. لنكون جسرًا بين من يحتاج.. ومن يستطيع.
معًا، نستطيع أن نُحدث فرقًا.. معًا، نجعل التكافل الاجتماعي أسلوب حياة.. معًا، نجعل «$ الإنساني» نافذةً للأمل.
انتظرونا كل أحد وثلاثاء وخميس خلال شهر رمضان المبارك.. وكونوا أنتم الخير الذي يُنير حياة الآخرين.
التكافل المجتمعي.. «سراجٌ» يضيء عتمة العيش
في شهر رمضان المبارك، تتجلى معاني التكافل الاجتماعي، ويسعى المحسنون وأصحاب الأيادي البيضاء إلى تلمس حاجات المعوزين والمساكين..
في هذه الأيام الفضيلة، تنتعش مظاهر الخير وتزدهر دروبه، ويظهر العطف والعون بأبدع صورهما بين أفراد المجتمع، وعلى الطرف الآخر يترقب الضعيف وصاحب الحاجة حصته في هذا العطاء..
ونحن هنا نسلط الضوء على بعض الحالات، ليس الكل، ولكل حالة نطرحها، يوجد حالات مماثلة لها، وثمة مشاهد عديدة من أشكال العوَزِ والحرمان، لكننا نطرح هنا مثالا مما وصلنا إليه بالبحث والتحري في سلسلة حلقاتنا هذه.
لأجل ذلك نفتح هذه النافذة، لتكون كمن يدل على الخير، وسعيا إلى تعزيز المسؤولية الاجتماعية، واستنهاض همم المقتدرين والميسورين، وتحفيز مبدأ التكافل الاجتماعي لدى أفراد ومؤسسات المجتمع كافة.
ونأمل أن تكون نافذتنا الإنسانية، بمثابة دعوة لشركات ومؤسسات القطاع الخاص؛ إلى التفاعل الإيجابي مع ما تنشره «$» من قصص إنسانية خلال هذا الشهر الفضيل، الهدف المباشر من نشرها تحقيق ما يتطلع إليه أصحابها من عون وإغاثة.
فالتكافل المجتمعي يسير جنبا إلى جنب، بالتوازي مع ما تقدمه الحكومات، ممثلة بأذرعها ومؤسساتها المعنية في هذا الشأن.
ولا يُقتصر هذا العمل الرعوي في جميع الدول -حتى المقتدرة اقتصاديا منها- على موازنة الدولة فقط، فالشركات ومؤسسات القطاع الخاص، وكذلك الأفراد، شركاء في تدعيم ومساندة مجتمعاتهم.
وفي ظل اتساع دائرة الفقر وقلة الإمكانيات، وعطفا على ضعف الموازنة ومحدودية موارد الدولة، فإن وزارة التنمية الاجتماعية، منفردة، لا قدرة ولا إمكانيات كافية لديها، لتقوم بهذا الدور وحدها.
هنا يأتي دور التكافل الاجتماعي الذي ننشد، فلا مناص عن تعاضد المجتمع بمكوناته ومؤسساته؛ لحمل مسؤولية الإسناد والمؤازرة.
ونذكّر أنفسنا أن الخير يزدهر بالعطاء.. وأن اليد التي تُساعد اليوم، ترسم غدًا أكثر أملًا لمن يحتاج.
فريق العمل:
محمـد سـويلم - محمد القرالة
محمد الحياني - بشار الخمايسة
لمى العتوم