في الخامس عشر من شباط من كل عام، نقف أمام مناسبةٍ عزيزة، و أمام محطةٍ وطنيةٍ تتجلّى فيها معاني الوفاء بأسمى صورها، يومٍ أراده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين تكريماً لرفاق السلاح، وتأكيداً أن من حمل البندقية دفاعاً عن الوطن، سيبقى في وجدان الدولة وضمير قيادتها عنوان عزٍّ وفخار.
الوفاء للمتقاعدين العسكريين، هو يومٌ لاستحضار القيمة، قيمة الرجال الذين لبّوا النداء، ووقفوا على الثغور حين كان الوقوف مسؤولية، وسهروا لتنام البيوت آمنة مطمئنة، هو يومٌ نستذكر فيه أن أمن الأردن واستقراره، كان ثمرة عرقٍ سال، وسهرٍ طال، وأعمارٍ أفنيت في ميادين الشرف.
فرفاق السلاح مدرسة الانضباط، وذاكرة الميدان، وصُنّاع الاستقرار، هم الذين تعلّموا أن الوطن أغلى ما نملك، وأن الراية أعلى من كُل المصالح، وأن القسم العسكري عهدٌ يُعاش حتى آخر العمر.
لقد أدرك جلالة الملك، وهو رفيق السلاح قبل أن يكون القائد الأعلى، أن الجندية لا تنتهي بالتقاعد، وأن روح الجُنديةَ تبقى حيّةً في الضمير والسلوك والانتماء، ومن هنا جاء يوم الوفاء ترجمةً صادقةً لعلاقةٍ خاصة بين القيادة الهاشمية وجيشها وأجهزتها الأمنية، علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، والثقة العميقة، والتقدير المستحق.
واليوم، ونحن ننظر إلى المتقاعدين العسكريين، فإننا نتحدث عن شريحةٍ واسعةٍ من أبناء الوطن، تجاوز عددهم مئتين وثلاثة وستين ألف متقاعد من القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، فيما ينتسب إلى مؤسستنا ما يزيد على مئةٌ وستةٌ وعشرين ألف متقاعد، وما هذه الأرقام إلا بيوت، وأسر، وأجيالٌ تربّت في كنف الانضباط والولاء والانتماء.
ومن هنا، فإن الوفاء لهم يكون يكون بالعمل، وانطلاقاً من التوجيهات الملكية السامية، عملت المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء على تحويل هذا الاهتمام إلى واقعٍ ملموس يمسّ حياة المتقاعد اليومية، ويعزز استقراره، ويحفظ كرامته.
فكانت أندية المتقاعدين العسكريين المنتشرة في محافظات المملكة،والتي تم انشاؤها من خلال المبادرات الملكية السامية، رسالة تقدير حيّة، وأماكن تليق بتاريخ من خدموا الوطن، يلتقي فيها رفاق الدرب، ويستعيدون ذكريات الميدان، ويقضون أوقاتهم في بيئةٍ تحترم تضحياتهم وتقدّر مسيرتهم.
وكانت برامج الحج والعمرة التي تُنفّذ سنوياً على نفقة المؤسسة، تجسيداً لمعنى الرعاية، كما كانت برامج التشغيل والتوظيف التي أسهمت في توفير آلاف فرص العمل، تأكيداً أن خبرة العسكري لا تُهدر، وأن انضباطه قيمةٌ مضافة في أي موقع.
وفي إطار تمكين المتقاعد اقتصادياً، جاءت القروض الميسّرة بدون فوائد، والمحفظة الإقراضية الداعمة للمشاريع الصغيرة، لتفتح أبواب الإنتاج والعمل أمام من اعتاد أن يكون فاعلاً لا متلقياً، كما شكّلت الجمعيات التعاونية المنتشرة في مختلف أنحاء المملكة نموذجاً للعمل الجماعي المنظم، وروح التعاون التي تعلموها في الميدان ونقلوها إلى الحياة المدنية.
أما على صعيد تمكين أبناء المتقاعدين، فقد جاءت المكرمة الملكية بتخصيص مئة شاغرٍ وظيفي سنوياً، إضافة إلى شواغر للمصابين العسكريين، تأكيداً أن الدولة لا تنسى أبناء من خدموها، وقد اعتمدت المؤسسة آلياتٍ دقيقةً وشفافة في الاختيار، تقوم على نظام نقاطٍ واضح، لضمان العدالة وتكافؤ الفرص.
في هذا اليوم، ننحني إجلالاً لأرواح الشهداء الذين كتبوا بدمائهم أن الأردن يستحق الحياة، ونقف احتراماً وتقديراً للمصابين الذين حملوا آثار التضحية على أجسادهم وسام شرفٍ لا يزول، ونشدّ على أيدي كل متقاعدٍ عسكري، فنقول له: لقد أديت الأمانة، وحفظت العهد، وسيبقى الوطن وفياً لك كما كنت وفياً له.
إن الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي، سيبقى عصيّاً على التحديات، لأن في جذوره رجالاً تعلّموا أن الثبات عقيدة، وأن الولاء نهج، وأن التضحية طريق الكرامة.
وفي يوم الوفاء، نجدد العهد أن تبقى رعاية المتقاعدين العسكريين أولويةً وطنية، وأن نعمل بإخلاصٍ ومسؤولية لترجمة الرؤية الملكية إلى إنجازٍ متجدد، وأن يبقى المتقاعد العسكري في المكانة التي يستحقها موضع تقدير، ومصدر فخر، ورمزاً من رموز الدولة الأردنية.
حفظ الله أردننا الغالي، ورعاه بعين القيادة الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، سليل المجد وحامي العهد. وحفظ جيشنا الباسل وأجهزتنا الأمنية، الدرع الحصين والحصن المنيع لوطننا وأبنائه، ليظل الأردن منارة للأمن والسلام.
*مدير عام المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء