أعلنت إسرائيل في 26 ديسمبر 2025 اعترافها رسمياً بإقليم أرض الصومال(Somaliland) كدولة مستقلة وذات سيادة عاصمتها "هرغيسا"، لتصبح بذلك أول دولة عضواً في الأمم المتحدة تتخذ هذا القرار. وجاء الإعلان عبر" إعلان القدس" المشترك الذي وقعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعن رئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبدالله (عيرو)، مؤسساً لعلاقات دبلوماسية كاملة وتبادل للسفراء في خطوة وصفت بأنها تأتي "بروح اتفاقيات إبراهيم".
ومن الملاحظ أن إسرائيل كانت من بين ثلاثين دولة اعترفت بالظهور الأول لإقليم أرض الصومال حينما أعلنت استقلالها في 26 يونيو 1960 قبل قرار اندماجها في نهاية ذلك الشهر مع إقليم الصومال الإيطالي.
هذا التحول في الجغرافيا السياسية الذي شهدته منطقة القرن الأفريقي، بما يحمله من تبعات تعيد هندسة التحالفات الأمنية والسياسية في حوض البحر الأحمر، لم يكن ليحصل لولا تبني "عيرو" مقاربة تهدف إلى كسر العزلة الدولية المفروضة على الإقليم بأي ثمن، بعد ثلاثة عقود من عدم الاعتراف الدولي به، فهذه المقاربة شكلت أرضية خصبة لمفاوضات سرية مع إسرائيل.
ومما هو جدير بالذكر، أن اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة يعكس تحولاً واسع النطاق، إذ لم تعد القوى الإقليمية الفاعلة تكتفي بالترتيبات غير الرسمية أو الاعتماد الحصري على الشركاء الحاليين من الدول؛ بل تُراهن على أن تتجاوز مبدأ الاتحاد الإفريقي القاضي بعدم الاعتراف بالدول الانفصالية مهما كانت كلفته الدبلوماسية، لأن موقع أرض الصومال الجغرافي واستقراره وتوافقه مع المصالح المناهضة لإيران أصبح ذا قيمة كبيرة لا يمكن تجاهله.
على أن السؤال المهم في هذه المرحلة يتعلق بالتبعات والمآلات لهذا الاعتراف على إقليم الشرق الأوسط بمعناه الواسع.
ففي ظل الترتيبات الإقليمية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط يُعد إقليم أرض الصومال بمثابة كنز استراتيجي، وهو ما يفسر سبب التدافع عليها من قبل قوى إقليمية فاعلة؛ فهذا الإقليم يُعد جسراً في الترتيبات الإقليمية الآخذة في التبلور بين إسرائيل وإثيوبيا وبعض الدول العربية بعد حرب غزة، فبالإضافة إلى أن أرض الصومال تمنح إسرائيل منصة لثلاث مهام رئيسية: أولها ، الإنذار المبكر عبر نشر رادارات وأجهزة تنصت لرصد إطلاق الصواريخ والمسيّرات من اليمن باتجاه إيلات. وثانيها، استخدام الأراضي أو المياه الإقليمية كنقطة انطلاق لعمليات خاصة ضد أهداف معادية، وخصوصاً ضد الحوثيين. وثالثها، منع تحول البحر الأحمر إلى "بحيرة إيرانية" عبر قطع خطوط الإمداد التي قد تصل إلى الحوثيين بحراً؛ إلا أنها تحتل موقعاً بالغ الحساسية على مستوى العالم، فهي تسيطر على شريط ساحلي يمتد لنحو 850 كيلومتراً على طول خليج عدن، مما يجعلها البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقرب من ثُلث التجارة البحرية العالمية سنوياً، بما في ذلك شحنات الطاقة الحيوية من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا. ولا يُعد هذا الممر المائي مجرد طريق تجاري، بل نقطة عبور لها تداعيات اقتصادية عالمية، فأي اضطراب طارئ، مثل هجمات الحوثيين منذ أواخر عام 2023، يؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين، وتحويل مسار الشحن بعيداً عن قناة السويس، وخسائر بمليارات الدولارات لسلاسل التوريد العالمية. ولعل ذلك يجعل سيطرة "جمهورية صوماليلاند" على سواحلها أمراً ضرورياً لأي استراتيجية تهدف إلى استقرار الأمن في البحر الأحمر.
وبالرغم من نجاح إسرائيل بواسطة هذا الاعتراف في قضم جزء من "الجدار العربي" المحيط بالبحر الأحمر، وحصولها على منصة متقدمة لمواجهة إيران ووكلائها، إلا أن هناك مخاطر عديدة تترتب على هذا الاعتراف، فهذا التحالف الجديد قد يدفع منطقة القرن الأفريقي نحو استقطاب حاد وعسكرة غير مسبوقة، حيث تتشكل ملامح محورين: محور إسرائيل وأرض الصومال وإثيوبيا، ومحور مصر والصومال وتركيا وجيبوتي الرافض للتغيير. فالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يقتصر على خطوة دبلوماسية رمزية، بل هو اعتراف سيعمل على نقل "ملف أرض الصومال" من الهامش إلى قلب صراع النفوذ الدولي، في اختبار مفتوح لموازين القوى الإقليمية، ولقدرة النظام الدولي على احتواء تداعياته.