في خضم مسارات التحديث الوطنية، لا يزال ملف الإدارة المحلية يمثل حجر الزاوية الحقيقي لأي إصلاح إداري أو تنموي. ومع ذلك، فإن النقاش العام حول القانون الجديد يكاد يُختزل في سؤال واحد: "الانتخاب أم التعيين؟".
هذا الاستقطاب، رغم أهميته الظاهرية، يُغيِّب عن المشهد حقيقة أن أزمة بلدياتنا ليست أزمة "آلية اختيار"، بل هي أزمة "أداء". وكما ذكرتُ في مقالات سابقة، المشكلة ليست في مبدأ الديمقراطية، بل في صميم الآلية التي تعمل بها بلدياتنا.
إن التشخيص الدقيق لواقعنا البلدي يكشف عن أربع فجوات بنيوية متداخلة، والفشل في معالجتها مجتمعةً يعني فشل أي قانون جديد، بغض النظر عن شكل اختيار رئيس البلدية.
أولاً: الفجوة الهيكلية
جوهر الخلل في بلدياتنا هو "الخلط في الأدوار". فالنموذج الحالي، كما أشرتُ مراراً، يضع رئيس البلدية في موقع متناقض: فهو "السلطة التنفيذية" المسؤولة عن الإدارة اليومية، وفي ذات الوقت هو رئيس "السلطة الرقابية" (المجلس البلدي). هذا التداخل يجعل المساءلة الفعالة شبه مستحيلة ويشتت المُنتخب بين رسم الرؤى والغوص في تفاصيل التنفيذ.
هنا تبرز "المعادلة المفقودة"، أو ما يُعرف عالمياً بنموذج "المجلس – المدير" (Council-Manager). هذا النموذج هو الحل الهيكلي الأنسب لأنه يفصل بوضوح بين الأدوار: "المجلس المنتخب" يتفرغ لرسم السياسات وإقرار الموازنات والرقابة، بينما يتولى "مدير بلدية" محترف مسؤولية التنفيذ الفني والإداري اليومي، ويكون مسؤولاً أمام المجلس.
ورغم أن نماذج أخرى مثل "الرئيس القوي" (Strong-Mayor) تُطرح كبديل، إلا أنها تنطوي على مخاطرة كبيرة في سياقنا. فهذا النموذج، يمنح الرئيس المنتخب سلطة مطلقة على التعيين والعزل الإداري، مما قد يحول "الواسطة" غير الرسمية إلى "محسوبية سياسية" رسمية. لذلك، يبقى نموذج "المدير المحترف" هو الضمانة الأفضل للكفاءة والحياد.
ثانياً: الفجوة الإقليمية
الإصلاح الهيكلي الداخلي للبلدية لن يحل أزمة التنسيق الخارجي؛ فمدننا المتنامية والمتشابكة لا تزال تعمل بمعزل عن بعضها البعض.
المشكلات العابرة للحدود (كالنقل، والتلوث، وإدارة النفايات) لا يمكن أن تُحل بقرارات فردية. والحل لا يكمن في "الدمج القسري" للبلديات، وهو فخ يجب التحذير منه. فالدراسات الأكاديمية العالمية أثبتت أن "دمج البلديات" يفشل غالباً في تحقيق "وفورات الحجم" الموعودة، بل قد يؤدي لزيادة التكاليف، وفي المقابل، يدمّر الديمقراطية المحلية عبر تهميش المجتمعات الأصغر.
البديل المرن هو "التنسيق الإقليمي"؛ وهذا لا يعني إلغاء البلديات، بل استغلال "مجالس الخدمات المشتركة" بحيث تُعنى حصراً بالملفات المشتركة كالنقل العام الإقليمي أو التخطيط الحضري الشامل، بالإضافة إلى ملف إدارة النفايات الذي تتولاه حالياً.
ثالثاً: فجوة الثقة
الفجوة الأعمق هي "أزمة الثقة". فالمواطن، وتحديداً الشباب، يشعر بالاغتراب عن العملية برمتها. وتشير التقارير إلى أن 87% من الأردنيين يعتقدون أن "الواسطة" هي المحرك الفعلي للبلديات.
هذه الفجوة لن تُردم بمجرد تغيير هيكلي، بل تحتاج إلى أداة إجرائية تُعيد السلطة للمواطن. هنا يبرز نموذج "الموازنة التشاركية"، الذي طُبّق بنجاح باهر في بورتو أليغري بالبرازيل، ويمنح المواطنين سلطة حقيقية ومباشرة في تحديد كيفية إنفاق جزء من موازنة القرية أو المدينة.
تجربة بورتو أليغري وغيرها من البلديات، أثبتت أنها لم تحسّن الخدمات الأساسية فحسب، بل نجحت أيضاً في "كسر علاقات المحسوبية". فعندما يصبح تخصيص الموارد شفافاً وتشاركياً، تفقد "الواسطة" قيمتها. إنها الأداة الأقوى لبناء الثقة وتحويل الشباب من متفرجين سلبيين إلى مشاركين فاعلين.
رابعاً: الفجوة المالية
كل ما سبق سيبقى حبراً على ورق دون معالجة الفجوة الرابعة: الفجوة المالية. فبلدياتنا لا تزال "أسيرة لتحويلات" مركزية تخضع أحياناً "للقرارات الفردية والمزاجية".
إن "العدالة المالية" القائمة على معايير واضحة ومعلنة، و"الاستقلالية المالية" الحقيقية، ليست ترفاً، بل هي شرط أساسي لتمكين أي نموذج حوكمة من النجاح.
خاتمة
إن فرصة قانون الإدارة المحلية الجديد يجب ألا تُهدر في البحث عن "حل سحري" واحد. فأزمة البلديات الأردنية مركّبة، وحلّها يجب أن يكون "منظومة متكاملة" تعالج الفجوات الأربع، وتضمن الانتقال ببلدياتنا من مجرد "تقديم الخدمة" إلى "ضمان جودتها"، بما يحقق التحديث الشامل الذي ننشده.