في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، يبرز العمل التعاوني بوصفه إحدى الآليات الواعدة لمواجهة التحديات المتفاقمة، وبخاصة في المحافظات التي تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفئات المهمشة.
ويؤكد مختصون أن التعاونيات لم تعد خيارا هامشيا، وإنما أصبحت تمثل أداة وطنية جوهرية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاقتصادية، شريطة تفعيل الأطر القانونية وتكامل الأدوار بين الجهات الرسمية والمجتمع المدني.
في إطار جهود تفعيل العمل التعاوني داخل المحافظات، ومع دخول قانون التعاونيات الأردني لعام 2025 حيّز التنفيذ، تتعزز الآمال بإحداث نقلة نوعية في طريقة تعاطي الجهات الرسمية والمجتمعية مع التعاونيات، وبخاصة في المناطق الريفية والأطراف التي لطالما عانت من ضعف الخدمات وفرص التمكين الاقتصادي.
وبين الحراك المؤسسي المتزايد والنقاشات المجتمعية الفاعلة، تبرز أصوات فاعلة من الميدان المحلي تؤكد أن المرحلة المقبلة يجب أن تتسم بالعمل التشاركي الجاد والتنفيذ الفعلي على الأرض.
يرى رئيس لجنة بلدية مؤتة والمزار الدكتور عبدالله العبادلة أن البلديات هي الحاضنة الأهم لنجاح التعاونيات على مستوى المحافظات، باعتبارها الأقرب إلى الواقع المجتمعي، والأقدر على تحديد الاحتياجات وربطها بمصادر الدعم والبنية التحتية المتاحة.
ويقول العبادلة إن بلدية المزار، كغيرها من بلديات الأطراف، «تشهد ازديادا في الطلب على دعم التعاونيات، وبخاصة في القطاعات الزراعية والحرفية».
ويؤكد الحاجة إلى تفويض واضح وتنسيق مع المؤسسة التعاونية الأردنية «حتى نتمكن من توفير مواقع أو أراضٍ للتعاونيات، وتسهيل إجراءاتها، وربما تخصيص جزء من الموازنة المحلية لدعمها».
ويشدد العبادلة على أهمية دمج العمل التعاوني ضمن خطط التنمية المحلية للبلديات. ويوضح بالقول: «حين ندرج دعم التعاونيات محورا أساسيا في خطة البلدية، فنحن نخلق بيئة دائمة لهذا النوع من الاقتصاد التشاركي.
وينبه إلى أنه لا يكفي أن نُسهّل عمل التعاونية؛ وإنما «يجب أن نربطها بمشاريع بنى تحتية وتسويق ونقل حتى نقلل الكلف التشغيلية ونزيد فرص النجاح».
ويعتقد أن المجالس البلدية يمكن أن تلعب دورا فاعلا في إطلاق منتديات حوارية تجمع التعاونيات المحلية مع مؤسسات المجتمع المدني والمواطنين، لتحديد الأولويات التنموية والاقتصادية بشكل تشاركي.
ويعتبر أن الشفافية والمساءلة داخل التعاونيات هي «مفتاح الثقة المجتمعية».
وتؤشر المهندسة أنسام الضلاعين إلى أن إقرار قانون التعاونيات الأردني لعام 2025 يمثّل خطوة متقدمة في تنظيم القطاع التعاوني وتعزيز فاعليته. إذ تشير إلى أن القانون الجديد يهدف إلى «تفعيل دور التعاونيات ضمن إطار يرتكز على الشفافية والاستدامة والتمكين المجتمعي».
وتؤكد أهمية توسيع المشاركة المجتمعية فيه، وبخاصة من قبل فئات الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة.
وتلفت إلى أن من أبرز الأهداف الاستراتيجية في المرحلة المقبلة «لحد من الفقر والبطالة، وتحسين المستوى المعيشي، وتهيئة بيئة محفزة للابتكار والإبداع من خلال التعاونيات» حتى تصبح مؤسسات اقتصادية فاعلة وقادرة على الاندماج في الأسواق المحلية والإقليمية.
تشدّد الضلاعين على أهمية إشراك كوادر فنية متخصصة في الإشراف على التعاونيات وتقديم الاستشارات الميدانية، وربطها بمشاريع زراعية ابتكارية، إلى جانب تخصيص أراضٍ ومواقع لوجستية تدعم ديمومتها، ودمج العمل التعاوني في خطط التنمية المحلية لتعزيز الاستدامة المجتمعية.
على صعيد التنفيذ والتقييم، يدعو الدكتور متري زريقات إلى ضرورة تشكيل لجان تنسيقية دائمة على مستوى المحافظات تضم الجهات المعنية كافة، وإعداد خطة عمل سنوية واضحة بأهداف قابلة للقياس.
كما يدعو إلى جانب إنشاء منصة وطنية إلكترونية لمتابعة التعاونيات وتبادل التجارب والخبرات، وتسليط الضوء على قصص نجاح محلية تُلهم مجتمعات أخرى للسير على ذات النهج.
ويقول: «التعاونيات لم تعد مجرد تنظيمات اقتصادية، بل أصبحت نموذجا تشاركيا يعزز الاعتماد على الذات ويرسّخ قيم العمل الجماعي والمشاركة في صنع القرار، وبخاصة للفئات الأقل تمثيلًا في سوق العمل، من شباب ونساء وأشخاص ذوي إعاقة».
ويرى أن تفعيل هذا النموذج يتطلب تنسيقا حقيقيا بين الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارات العمل والتنمية الاجتماعية والشباب، لتوفير الحوافز التمويلية وبناء القدرات الفنية والإدارية، إلى جانب تخصيص حاضنات أعمال تعاونية داخل المحافظات.
وفي الجانب العملي، يدعو المهندس الزراعي محمد الطراونة إلى توفير الدعم الفني والإرشادي، وإطلاق برامج تدريب تخصصية في الزراعة الحديثة، وتبسيط إجراءات التسجيل، وتمويل تأسيسي وتسهيلات ائتمانية، وتنظيم ورشات تعريفية بالقانون الجديد لتعزيز وعي المجتمع المحلي بأهميته.
ويحض الشاب عبدالله القضاة على إشراك الجامعات ومراكز البحث العلمي من خلال إنشاء حاضنات أعمال تعاونية داخل الحرم الجامعي، وربط التعاونيات بالبحث والتطوير، وإدماج مفاهيم التعاونيات في المناهج الدراسية، بما يعزز وعي الأجيال القادمة بأهمية هذا النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رئيسة جمعية سيدات غور النقع خضراء المحافظة تؤكد بدورها أن التحدي الأبرز لا يكمن في إقرار القوانين، بل في الانتقال من التنظير إلى الميدان، قائلة: «نحتاج إلى إرادة سياسية والتزام فعلي من كافة الأطراف لتحقيق الأثر المطلوب، فالتعاونيات ليست مجرد إطار تنظيمي، بل أداة وطنية حقيقية للتغيير الاجتماعي والاقتصادي المستدام».
فيما يشير مدير مركز شباب مؤاب أحمد الطراونة إلى ضرورة الاستثمار في الطاقات الشبابية من خلال دعمهم للانخراط في العمل التعاوني،. ويؤكد أن الشباب في المناطق الريفية يمتلكون إمكانات كبيرة، لكنهم يحتاجون إطارا منظما يحتضن أفكارهم ويوجهها نحو الإنتاج الجماعي.
ويقول الطراونة: «ما نحتاجه اليوم هو ربط حقيقي بين القانون الجديد والواقع الميداني، بحيث يشعر الشاب في مؤاب أو المزار الجنوبي أن لديه فرصة حقيقية لبناء مشروع تعاوني مدعوم وموجّه.
ويتفق المتحدثون على أن العمل التعاوني في المحافظات يقف اليوم على مفترق طرق: فإما أن يتحول إلى أداة استراتيجية لتحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي، أو يبقى حبيس القرارات المركزية والبيروقراطية الميدانية.