مواجهة انهيار القطاع الصحي بالقطاع بخطط إنسانية نوعية
170 مريضاً ومرافقاً وصلوا ضمن «الممر الطبي الأردني»
من ثوابت الدولة الأردنية التي لا يراها كثير من المشككين والمرجفين ومسوقي الروايات المبتورة والمضللة، أنها دولة صادقة مع نفسها، منسجمة مع قيمها العميقة، لا تخضع لمناورات السياسة، ولا تنخرط في بازار الشعارات. هذه الدولة، بهويتها الهاشمية، وتاريخها المتصل بنصرة الأمة وقضاياها، تستمد مواقفها من القيم التي يؤمن بها الأردني، قيمٌ لا تساوم على المبدأ، ولا تخذل الملهوف، ولا تتراجع حين تنادي الأخوة بالتكافل.
في هذا السياق، تبدو كل مبادرة أردنية تجاه غزة امتداداً طبيعياً لهذا الإيمان العميق بقيم العروبة والنجدة والمروءة. فالوفاء للشقيق والعمل بصمت، دون صوت عالٍ أو ضجيج مفتعل، ليسا مجرد سلوك دبلوماسي، بل ركيزتان في بنية الأخلاق السياسية الأردنية. ولذلك، لم يكن غريباً أن يتقدم الأردن الصفوف في أصعب اللحظات، وأن يبادر حين تراجعت كثير من الأصوات، وأن يسند الغزّيين المنكوبين بالفعل لا بالقول، بالحضور لا بالشجب، بالمستشفى لا بالبيان.
ومن هنا، انطلقت مبادرة «الممر الطبي الأردني - غزة»، التي لم تكن إلا تعبيراً ناصعاً عن هذه القيم، وإحدى صور العمل النبيل الذي يتجاوز الجغرافيا ويتحدى تعقيدات الواقع. وقد أعلن عنها جلالة الملك عبدالله الثاني في 11 شباط 2025، خلال لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، لتكون رسالة سياسية وإنسانية في آنٍ واحد، مضمونها: أن الأردن، حتى في ظل اختناق الإقليم وتعدد الأولويات، لا ينسى أن في غزة أطفالًا مرضى يفتك بهم الحصار والمرض، ويبحثون عن شريان نجاة.
وقد انطلقت المبادرة فعلياً في مطلع آذار 2025، لتستهدف إجلاء (2000) طفل مريض من القطاع لتلقي العلاج في الأردن. وحتى الآن، استقبلت المملكة 170 شخصاً من المرضى ومرافقيهم، قدموا على دفعات متعددة، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية، وتلقوا الرعاية النوعية في أرقى المستشفيات الأردنية – الحكومية والخاصة – على يد فرق طبية متخصصة، ضمن سلسلة من العمليات الإنسانية المستمرة.
وفي الحادي عشر من حزيران 2025، وصلت الدفعة الخامسة من الأطفال المرضى، وضمت 16 طفلاً، من بينهم 10 مرضى بالسرطان، برفقة 48 من ذويهم، ليواصل الأردن عبر هذا الممر النبيل مهمته في التخفيف عن كاهل غزة المنكوبة. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن هذه المبادرة ليست معزولة عن استراتيجية أردنية متكاملة في دعم الأشقاء الفلسطينيين، تتجلى في المستشفيات الميدانية المقامة داخل القطاع، وفي الجسر الجوي، والجسر البري، ومبادرة «استعادة الأمل» لتركيب الأطراف الاصطناعية للمصابين، وكلها تعكس روح العطاء الأردني الذي لا يعرف المراوغة ولا الأضواء الزائفة.
ورغم التحديات اللوجستية والإنسانية والأمنية التي تعترض سبل الإخلاء الطبي، يصر الأردن على تسريع عمليات الإجلاء، وتوسيع نطاق المبادرة لتشمل أكبر عدد ممكن من الأطفال الذين حُرموا من أبسط حقوق العلاج، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في غزة.
ورغم كل ذلك، لم تنجُ المبادرة من التشكيك والتأويلات المريضة. فقد سارع البعض، بوعي أو بجهل، إلى الطعن في نبل الغاية، ورأى فيها استجابة لمخططات مزعومة، أو بوابة لتمرير أجندات تهجيرية. لهؤلاء نقول: ارتاحوا، فلن تجدوا في هذه الأرض ما يوافق خيالاتكم. الأردن، الذي يتحرك بنقاء السريرة، ووضوح الموقف، لا يخشى الحقيقة، ولا يختبئ وراء ستار. أجندته كانت وستظل: نجدة الشقيق، والوقوف معه في محنة الحرب الظالمة التي تشنها إسرائيل على غزة.
نقولها بوضوح: هذا الممر ليس مجرد إجراء طبي، بل موقف سياسي وأخلاقي بامتياز. هو خلاصة دولة، وجيش، ومليك، وشعب، آمنوا دائماً أن من حق المظلوم أن يجد من ينصره، فما بالكم إن كان هذا المظلوم هو الشقيق الفلسطيني الذي يشكل محور اهتمام الدبلوماسية الأردنية على الدوام، والثابت الذي لا يتزحزح في الوقوف إلى جانب حقه في تقرير المصير.
وهكذا، يمضي الأردن، دون ضجيج أو ادعاء، في أداء رسالته. فليس في هذه الأرض من يسوّق بطولته، بل من يختار أن يفعل، ثم يدع الفعل يتكلم عنه. فكل طفل غزي يعبر حدود الموت إلى الحياة عبر هذا الممر، هو شهادة ناصعة على صدق الموقف الأردني، وعلى أن الدولة التي تنتمي إلى أمتها بوجدانها لا تبيع مواقفها في أسواق الإعلام والسياسة.
سيبقى الأردن كذلك، لا يتغير حين تتبدل التحالفات، ولا يساوم حين تتشابك الحسابات، لأن ما يحدد بوصلته هو الضمير، لا المصلحة؛ والمبدأ، لا اللحظة؛ والحق، لا الصدى