في حضرة الوطن، تصطف الذاكرة على عتبات الزمن، تتأمل المشهد الأردني منذ أن تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية في التاسع من حزيران عام 1999.
وبينما تتردد أصداء الإنجاز في مختلف الميادين، تبقى صورة جلالة الملكة رانيا العبدالله، ثابتة في الوجدان، سيدةً لم تكن يومًا في الظل، بل في عمق الفعل والموقف.
ستة وعشرون عامًا مضت، كانت فيها الملكة رانيا رفيقة المسيرة وشريكة الحياة، حيث تجلّى حضورها فأعادت تعريف دور المرأة في الحياة العامة، ليس في الأردن فحسب، بل في الإقليم والعالم.
بهدوئها الموزون، وبكلماتها التي تشبه نبض الأمهات، اختارت الملكة أن يكون حضورها محكوما بالفعل، فذهبت إلى المدارس والقرى والمخيمات، حملت هم التعليم، وسهرت على مشاريع التنمية، وآمنت أن كل طفل يستحق فرصة التعليم النوعي، وأن كرامة الإنسان لا تكون إلا بالتمكين والمعرفة.
الملكة التي وضعت التعليم في صدارة أولوياتها، لم تكن تكتفي بالشعارات. من مبادرة «مدرستي» إلى جائزة التميز التربوي، ثم تدريب المعلمين ومتحف الاطفال وغير ذلك من الانشطة والمبادرات والبرامج التي كتبت فصولا في التعليم والتعلم.
لم تنسَ يوما أن أول المعرفة بيت، وأول الطريق مدرسة، فصاغت من خلال «إدراك» منصّة للعرب جميعًا، تُقرّب المحتوى العلمي وتمنح الفرص من خلف الشاشات، لتجعل من التكنولوجيا أداة للعدالة لا التفاوت.
جلالة الملكة رانيا لم تنس قضايا المرأة، بل تحدثت بصوتها الواضح، وطالبت بتمكينها اقتصاديا.
تجوّلت في المحافظات، التقت سيدات الأعمال والمزارعات وصاحبات المشاريع الصغيرة، رعت قصص النجاح، وشجعت المبادرات النسوية التي تقف على تخوم التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
في الوقت الذي يعاني فيه شباب المنطقة من تحديات البطالة وندرة الفرص، دعمت جلالتها الرياديين، وتابعت قصصهم، واستثمرت في أفكارهم، لتصبح الريادة في الأردن ليست ترفًا نخبويًا، بل حاجة وطنية تقودها طاقات واعدة.
أما على الصعيد العالمي، فواصلت جلالة الملكة جهودها، متحدثة باسم الإنسانية، مدافعة عن اللاجئين والنساء والأطفال في ساحات اللجوء والفقر والعوز.
في كل مرة اعتلت فيها منبرا أمميا، كانت تحمل رسائل الأردن، الذي أعطى وقدم الكثير، واستقبل مئات الآلاف ممن لفظتهم الحروب والنزاعات.
طالبت بتكافؤ الفرص، وواجهت الصور النمطية عن العرب والمسلمين بعقل متفتح وقلب صلب.
في حساب الزمن، ستة وعشرون عامًا قد تمر على الورق كأرقام، لكن في وجدان الأردنيين، هي محطات شاهدة على شراكة ملكية استثنائية، ارتكزت على انسجام نادر بين القيادة والإرادة والرسالة.
في كل مشهد وطني، في كل حكاية أم أردنية، ومع كل فكرة ريادية، هناك شيء من الملكة رانيا: رؤيتها، دفئها، وإيمانها بأن الإنسان هو أثمن ما تملكه الأوطان.