في الأزقة القديمة التي تفوح منها رائحة الهيل والقرنفل، وبين محال الحلويات والمخابز التي تعمل حتى ساعات الفجر، تشهد أسواق عمان ليلة استثنائية تسبق عيد الأضحى المبارك، حيث يتزاحم المتسوقون رغم الضيق الاقتصادي، ويبدو أن طقوس العيد أقوى من كل التحديات.
وفي سوق السكر بوسط البلد، وعلى الأرصفة الممتدة حول شوارعه الضيقة، تتناثر بسطات التمور بأنواعها، من المجهول الأردني إلى العجوة القادمة من المدينة المنورة، لتعلن قرب حلول عيد الأضحى المبارك.
وبرغم أن هذا العيد يحمل في موسمه هذا وجعا مضاعفا بسبب استمرار الحرب البشعة في قطاع غزة، إلا أن الأردنيين يتمسكون بطقوس عيدهم كما يتمسكون بالدعاء لغزة وأهلها.
في وسط البلد، كان متجر للحلويات الشرقية يعج بالأطفال وذويهم وهم يختارون الكنافة والبقلاوة والمعمول، رغم ارتفاع أسعار بعض الأصناف، فالفرح «لا يقاس بالمال»، كما يعبر الحاج عبد الله، صاحب أحد المحال، مضيفا: «نعم، الحركة أضعف من السنوات الماضية، لكن الناس تحاول تفرح أولادها، والعيد فرصة للفرح والرحمة، حتى لو كان الجيب فاضيا."
اللافت في هذه الليالي أن الأسر الأردنية تحاول جاهدة الحفاظ على طقوس العيد؛ فشراء الملابس الجديدة للأطفال ما زال من أولويات كثير من العائلات، وإن كان بميزانية محدودة.
وتقول أم ناصر، موظفة وأم لأربعة أطفال، وهي تتنقل بين محلات الملابس الجاهزة في جبل الحسين: «حتى لو بنشتري طقما واحدا، لازم نحس الأطفال إن العيد له نكهة خاصة، ما بنقدر نكسر قلوبهم».
الازدحام في الأسواق ليس فقط بحثا عن السلع، بل عن لحظة انتماء جماعية، وعن استعادة لبهجة مشتهاة في ظل واقع اقتصادي صعب، وأحداث دامية في غزة تلقي بظلها الثقيل على المشهد العام.
ورغم ذلك، تبقى عادات العيد ــ من تجهيز أطباق المقلوبة والفتة، إلى زيارة الأقارب وصلاة العيد ـــ حاضرة، كأنها تحد للحزن ومحاولة لاستعادة التوازن الإنساني.
وتمثل طقوس العيد نوعا من المقاومة النفسية للضغوط، ومحاولة لإعادة إنتاج الفرح رغم ندرة أسبابه الظاهرة، فحين تحرص العائلة على ترتيب البيت، وشراء الحلوى، وتبادل التهاني، فإنها تعيد تأكيد هويتها الجمعية المرتبطة بالحب والتكافل.
ورغم كل ما يمر به الناس، يظل عيد الأضحى بضحكاته، ولباسه الجديد، وموائد التمر والقهوة، لحظة استثنائية تعيد إلى الحياة شيئا من معناها، وتبقي باب الأمل مفتوحا، وإن كان من خلال نافذة صغيرة تطل على شارع مزدحم.