بعد سنوات من الحرب الباردة بين المعسكر الروسي والمعسكر الأمريكي التي تلت الحرب العالمية الثانية في المنطقة العربية وبعد ان كنا على شفا خطوة من الوصول لتوازن بين القطبين، انهار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات وأصبحت الولايات المتحدة الامريكية المسيطر والمتحكم بالمنطقة العربية، وما الى ذلك من تداعيات عاشت المنطقة تحت اثارها الى ان عاد المعسكر الشرقي لاحقا.
بعد السقوط الروسي في المنطقة انفرد الامريكان في السيطرة وعمد الى زيادة نفوذه وترسيخ قوته من خلال التواجد العسكري وتعزيز التحالفات، ومن اجل شرعية التواجد العسكري على ارض الميدان كان لا بد من وجود ذرائع، استغلت امريكا حرب الخليج الأولى (1991) وكانت نقطة التحول الاولى في الوجود العسكري الأمريكي في عهد حكم الحزب الجمهوري الأمريكي (جورج بوش الاب) ومن ثم تم تعزيز هذا الوجود بعد نقطة التحول الثانية (احداث 11 سبتمبر).
تحت انظار المعسكر الشرقي (روسيا) هيمن الامريكان على المنطقة العربية لعدة سنوات، الى ان عاد الحزب الديموقراطي للحكم من خلال الرئيس أوباما حيث درأت الإدارة الامريكية لتغيير سياستها الخارجية وكانت قد بدأت تستشعر انها فقدت الثقة من حلفائها بعد التدخل العسكري المفرط في المنطقة العربية وكانت ذريعة الخسائر الاقتصادية لأمريكا من جراء الحروب في المنطقة واستشعار الازمات الاقتصادية القادمة سبب لبدأ عمليات الانسحاب التدريجي من المنطقة، انسحابا عسكريا فقط مع استمرار للوجود السياسي.
مع بداية نشوب شرارة الثورات العربية كانت قد بدأت روسيا تستقر سياسيا واقتصاديا في فترة حكم الرئيس فلاديمير بوتين، وكان الربيع العربي البوابة لعودة روسيا لصراع السيطرة مع أمريكا على نفوذ في المنطقة العربية مع استغلال عوامل كثيرة منها انعدام الثقة بالمعسكر الغربي (أمريكا) والقرار المفاجئ بتغيير السياسات الخارجية التي أثرت على حلفائها بالمنطقة وتحديدا على الأنظمة الحاكمة نفسها.
وبناء على هذا السرد التاريخي،
كانت فكرة الإدارة الامريكية التي حملها الرئيس أوباما بعد ان اجبروا على الانسحاب من المنطقة لمعالجة أخطاء الإدارة السابقة (الجمهوريين) على حسب رؤيتهم, انه لا مجال لترك المنطقة في فراغ خاصة ان المعسكر الشرقي قادم ولديه أطماع كبيرة مستغلا الثغرات التي خلفها الربيع العربي, وهنا عمد الامريكان على ترك حصة للمعسكر الشرقي ولكنها صعبة المنال وتستنزف طاقة كبيرة للسيطرة عليها, حصة مليئة بالتعقيد بين حروب أهلية وطائفية وبين صراعات داخل المنطقة سنية وشيعية وبين خلق اقطاب صغيرة تتصارع لتمثيل المنطقة وبين إرهاب واعتدال وأنظمة اسلاماوية
وانقلابات وغيرها من التعقيد الذي خلفه الامريكان في المنطقة حتى لا يستسيغ المعسكر الشرقي هذه اللقمة.
وبعد سنوات من أزمات عديدة مرت بها المنطقة، حروب طائفية، حروب ضد الإرهاب، انقلابات وما الى ذلك، تمخض لدينا محاور صراع سنية وشيعية نتجت جراء هذه الازمات، ويتمحور هذا الصراع كله حول مشاريع إسرائيل (المدعومة من المعسكر الغربي)
حيث انقسم الصراع حول فكرتين، الأولى تبحث عن السلام والتطور والازدهار وهذا بنظرهم لن يتم دون سلام وتعاون مع حليف الغرب (إسرائيل)، والفكرة الثانية تبحث عن صراع ومواجهة إسرائيل وتبحث عن تموضع يهدف لتزعم المنطقة العربية وهذا بنظرهم لن يتم في حال نجحت الفكرة الأولى فكان لا بد من إعاقة وتعطيل نجاحها الذي كان قاب قوسين من حدوثه من خلال مشاريع الطرق الاقتصادية.
في ظل هذا الصراع الذي نشهد ذروته حاليا والتحول الى مواجهة عسكرية مباشرة بين ايران وإسرائيل, وفي ظل غياب لدور عربي خالص وحقيقي دون تدخل خارجي، بدأت الأنظمة العربية منذ سنوات قليلة مضت تشعر ان التقدم والمضي نحو السلام في المنطقة والنمو والازدهار يحتاج لتحالفات جديدة فنجد دخولا لمفاوضات خليجية صينية تارة ومفاوضات لعودة أمريكا كقطب اوحد تارة أخرى وذلك حسب مصلحة كل دولة،وما يعيق نشوء تحالف جديد في المنطقة هو اليقين التام لبعض الدول بأن أي تحالف غير امريكي لن ينجح وفي نفس الوقت يرى البعض ان غياب رئيس امريكي قوي يحمل رؤية جديدة للمنطقة ولديه وقت كاف لتنفيذه كان سبب لعدم عودة أمريكا للسيطرة واغلاق أبواب أي مفاوضات لتحالفات جديدة, وهنا اقصد ان غياب رئيس امريكي يحمل رؤية ومشروعا تتمثل بالوضوح دون الالتفاف حول ايران على حساب العرب كما حاول ان يفعل بايدن وأيضا دون الإصرار على احتكار الكل (اقتصاديا) كما حاول ان يفعل ترامب.
في ظل هذا الصراع العقيم عمدت القوة الاقتصادية الضاربة في المنطقة العربية (دول الخليج) في اخر سنتين الى اخذ زمام المبادرة ومحاولة الانفتاح على جميع الأطراف والوقوف على الحياد, والتفكير في التنمية والتطور والحداثة من خلال مشاريع اقتصادية مفتوحة مع العالم, والانفتاح على محورين الصراع في نفس الوقت حيث شهدنا مصالحة سعودية -إيرانية وانفتاح سعودي على التطبيع مع إسرائيل وهذا ما اربك المنطقة العربية اكثر، حيث كان مفاجئا لطرفي الصراع (ايران وإسرائيل) ويعطي فرصة امام قطبي العالم (أمريكا وروسيا) للظفر بالهيمنة من خلال التحالف في النظام الجديد, حيث ان الحياد الخليجي يفهم وكأنه ينتظر المنتصر في نهاية الطريق لاستقباله بالتحالف أو تقاسم الغنائم بين الجميع والوصول لتوازن في المنطقة بين جميع الأطراف وهذا ما تحاول ايران والمعسكر الشرقي الوصول اليه وهو ما حتما لا تقبله الإدارة الامريكية خاصة وان كانت (جمهورية).
ونحن نقبل على الربع الأخير من العام الساخن الذي سيكون مهما سياسيا وسيئا اقتصاديا، ننتظر نتائج الانتخابات الامريكية التي ستحدد شكل المسار القادم على المنطقة، ولكن ما هو مؤكد ان هناك نظاما إقليميا جديدا ممكن ان يكون سهلا وسريعا في حال وجود ترامب كرئيس ولكن سيبقى متعسرا في حال وجود هاريس كرئيسة، ستبقى إيران تحاول الظفر بشيء وان كانت تعلم انها خسرت الحرب، وسيتمسك العرب بالحيادية والانفتاح على جميع الخيارات.
لا شك لدى المطلع أن العام القادم سيكون عام التغيرات السياسية العالمية, النظام الإيراني الجديد سيكون مجبرا لقبول الواقع وتغيير سياسته بناء عليه،أما إسرائيل ستكون مجبره على حكومة جديدة مقبولة لدى الدول العربية، أما القطبية العالمية بين معسكر الغرب والشرق ستحدد مساراتها بناء على ما تنتجه الانتخابات الامريكية والاهم ما ستحمله الإدارة الجديدة من رؤى وأفكار ومشروع للنظام الإقليمي الجديد في المنطقة العربية مع الاخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الخليجية الجديدة التي وصفناها بالحيادية والتي لن تقبل بالمراوغات السياسية كما في السابق, وأثر وتداعيات الازمة الداخلية التركية أيضا ستلعب دورا بتغيير سياستها الخارجية وممكن ان تضحي بالنظام الاسلاموي على حساب حل اقتصادي ان تطلب الامر, وهذا سيكون له اثر على النظام الإقليمي الجديد الذي ستلعب الدور الأكبر فيه دول الخليج على رأسها السعودية.