كتاب

مسابقة فؤاد فراج للأبحاث العلمية

<p>ملاحظاتي المبدئية التي أصيغها في هذه المقالة تعكس انطباعاتي بشأن عرض طلبة مدارس المملكة مؤخرا لمشاريعهم العلمية المقدمة لمسابقة المهندس فؤاد فراج للأبحاث العلمية التي شاركت بالتحكيم فيها منذ سنوات عديدة. فربما تكون ملاحظاتي ههنا مفيدة لتطوير كفاءة الطلبة في تصميم وتنفيذ مشاريعهم المستقبلية، وكذلك في إعادة النظر بالمناهج الوطنية والعربية لتواكب روح العصر العلمية وتحديث طرائق تدريس المعلمين.</p><p>هناك العديد من الجوانب المفصلية التي يجب مراعاتها عند قياس جودة أعمال الطلبة البحثية وجوانب الإبداع فيها. فبالإضافة إلى دقة محتوى مشاريعهم العلمية وراهنيتها، يجب الاهتمام بأدائهم الشخصي ومنهجية أبحاثهم. ففي الأداء الشخصي للطلبة، التي تراوحت فئاتهم العمرية من الصف السادس إلى العاشر، كان ضروريا التنبه إلى درجة الثقة بالنفس والوضوح في الطرح والتسلسل المنطقي، وفي الوقت نفسه إدراك أن كل طالب، مهما كان مستوى تقييم عمله، فإنه يكون قد قدم جهدا عظيما، وبالتالي فهو مبدع، مهما كان مستوى أدائه.</p><p>إن المشاركة بأبحاث تطبيقية مبتكرة في هذا العمر المبكر، مثل مستوى طلبة الصف السادس، هي مؤشر على حماسة الطالب وتشجيع أهله وأساتذته ومدرسته. وفي الدرجة الأولى أساتذته، لذلك، بصفتي الرئيس الفخري لجمعية حفظ الطاقة واستدامة البيئة منذ زمن فقد خصصنا جوائز لمعلمي الطلبة الفائزين بمسابقة الرسم البيئي لطلبة مدارس التربية والتعليم، تقديرا لجهود الأساتذة على وجه التحديد.</p><p>وقد لاحظت تفاوت مستويات ثقة الطلبة بأنفسهم، ومدى وضوح توصيل أفكارهم التي كانت غالبًا ما تعكس ثقتهم بأنفسهم فهمهم للموضوع. كما لفتني في المشاركة حماستهم لمشروعاتهم بدافع الشغف إلى الابتكار الذي يمكن أن يؤثر بشكل كبير على جودة عملهم سلبا وايجابا. وما تتميز به مسابقة المهندس فؤاد فراج التي امتدت لعقود هو التصميم التجريبي، أي مراعاة وضوح وتماسك واختبار التصميم النظري تجريبيا عبر إبداع نموذج عملي قابل للتطبيق يضع حلا لمشكلة علمية وأخلاقية سائدة.</p><p>وهناك مهارات الاتزان في العرض، بما في ذلك وضعية الوقوف، والاتصال البصري، والتعبير اللغوي السليم والواضح. إذ تساهم هذه العوامل جميعها في التقييم الشامل لأعمالهم. ولكن العديد من العروض كانت مقدماتها طويلة وشرحت مبادىء عامة لا ضرورة لها، وبالتالي أفقدت الطلبة وقتا ثمينا كان الأجدر بهم استثماره في شرح فكرة مشروعهم، والتجربة التي اشتغلوا عليها، وتوضيح جوانب الابتكار والإبداع فيها؛ أي ما هو جديد فيها. وهذه فكرة مركزية في التقييم.</p><p>وقد طغى حفظ النص، أو قراءته من نص مكتوب، على الكثير من الطلبة. وهذا يعكس تقنية التلقين في مدارسنا التي أن الأوان أن نتجاوزها، كما يعكس ضعف الإدراك لقيمة الوقت، فالمطلوب التأقلم مع الظروف المستجدة، فعندما يكون الطالب حافظا لنص يمتد إلى ربع ساعة مثلا، وفجأة يطلب منه الاختصار في عشر دقائق فإنه يرتبك. ولتجنب هذه الحالة يمكنه اختصار المقدمات التي عادة ما تكون طويلة ومملة ولا ضرورة لها، فاعضاء لجنة التحكيم خبراء ويعرفون ما هو التغير المناخي، مثلا، ولا حاجة لإغراقهم بتعريفات لا علاقة لها بتفاصيل المشروع. فادخل أخي الطالب في تفاصيل مشروعك وجوانب ابداعاته وتميزه مباشرة.</p><p>ومن جهة أخرى لوحظ ضعف التفكير النقدي، من حيث الاهتمام بمهارات التفكير النقدي لدى الطلبة، بما في ذلك قدرتهم على تحليل البيانات واستخلاص النتائج واقتراح اتجاهات البحث المستقبلية. فغالبًا ما تنبع المشاريع التي تُظهر الأصالة والابتكار من قدرات التفكير النقدي القوية، لذلك فمن الواضح أن غياب تدريس الفلسفة ضمن مناهج كافة المراحل التعليمية هي السبب الرئيس في ذلك، إضافة إلى ضعف إعادة تأهيل المعلمين بدورات متخصصة دورية.</p><p>ومن الحالات النادرة والواعدة أن عددا محدودا جدا من الأبحاث التي شاركت في سنوات ماضية اعتمد على ملاحظات اللجنة النقدية في السنوات السابقة وطور مشاريعه هذا العام استنادا إليها. وهذا توجه عظيم وبناء ونحمس الطلبة على اعتماده. أما عن طريقة البحث وعمقه، فمسألة معقدة، فالكثير من الطلبة لم يبحثوا عن أعمال مماثلة في الشبكة العنكبوتية، فتوهموا أنهم مبدعون. وبعض الأبحاث افتقرت إلى مراجع كافية، وتنويع في مصادرها، وحس بمدى موثوقيتها.</p><p>وقد لفتنا أن الأعمال المقدمة من مجموعة من الطلبة كانت أفضل من الأعمال الفردية، وهذا يدل على فائدة العمل ضمن فريق وأهميته. كما لفتنا تزايد الأعمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي AI، وبالتالي يستدعي ذلك إعادة تقييم المناهج كي توكب التطورات العالمية المتسارعة في الثورة الرقمية الرابعة، كالتكنولوجيا الناشئة في مجالات الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا النانو، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وانتهاج طرائق التعليم الإلكتروني المصور والمسموع.</p><p>وبناء عليه، فعند ملاحظة عروض المشروعات التي يقدمها طلبة المدارس للمشاريع العلمية المبتكرة، من الضروري التركيز ليس فقط على مضمون عملهم وريادته ولكن أيضًا على أدائهم الشخصي ومنهجية أبحاثهم. ومن خلال الاهتمام بهذه المجالات الرئيسية، أمكننا تقديم ملاحظات نأمل أنها بناءة ومن شأنها أن تدعم تطوير مهارات البحث العلمي لدى الطلبة للتقدم لهذه الجائزة وغيرها من الجوائز الأردنية والعربية والعالمية، في المستقبل، وبالتالي تؤهلهم لدخول أجواء الجامعة البحثية بثقة عالية.</p>