أكبر تحدٍ يواجه الأردن اليوم، هو أن هناك 'جهات' عديدة بعضها متآلف وبعضها الآخر متباعد، تحاول وبكل السبل المتاحة لها، الفصل بين الأردن الدولة، وقضية فلسطين، لا بل وكسر العلاقة الوجدانية التكاملية التاريخية بين الجانبين.
هذا التحدي تحاول صنعه في وجه الأردن، دول أيضاً، متناسية وعن عمد وسابق إصرار، أن الضفة الغربية المحتلة، حيث يعيش هناك نصف الشعب الفلسطيني، كانت جزءاً أساسياً من وحدة الضفتين، وأن الشعبين غرب النهر وشرقه، مترابطان إيجابياً بوحدة الدم والهدف والمصير، وأن الأردن تحديداً ودون سواه، هو 'الرئة' التي يتنفس منها الشعب الشقيق على يمين النهر منذ الاحتلال الأول عام 1948، وحتى الساعة.
عملياً، ما يجري غرب النهر سواء في القدس الشريف أو أي مكان من الضفة الغربية، وبالذات، استباحة المقدسات والاستيطان المستشري منذ عام 1967، وتضييق سبل العيش على الشعب الشقيق هناك، ينعكس فوراً على الأردن وحده، دون سواه من دول العرب الشقيقة كافة.
لهذا، وكما قلت في مقال سابق، أن أي تصعيد، أو حتى بوادر حل تاريخي للقضية، نصفه غرب النهر، والنصف الآخر هناك شرقه، وبالتالي فإن أية مخططات أو نيات أو حتى محاولات لحل عادل إن أمكن ذلك، لا يمكن لها أن تمر إلا بمباركة وموافقة الأردن تحديداً.
ليس خافياً أبداً أن إمكانات الحل العادل باتت اليوم في مهب الريح، في ضوء عدم جدية قوى النفوذ الكبرى للانخراط في هكذا حل يوقف العدوان البربري على قطاع غزة، ويعترف عملياً بدولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وفي ضوء تعنت المحتل كذلك والذي ما يزال يرى في دولة كهذه تهديداً لوجوده!.
وسط هذا الواقع المرير، تنشط المشروعات الإقليمية الطامعة والطامحة، بصورة أكبر، في مشهد يدخل المنطقة كلها في دوامة من الغموض والتوجس والهواجس وحالة عدم اليقين لاستيضاح الى أين نحن في الإقليم كله ذاهبون.
هذا واقع يجعل الرأي العام الأردني المتعاطف جداً مع أهلنا في غزة وسائر فلسطين، في موضع ترى فيه جهات إقليمية عديدة، أن التأثير فيه بما يخدم مصالحها وأجنداتها، أمر هين وسهل المنال وفقاً لرؤاها وتوقعاتها..!.
من دون إطالة وقول ما لا يصلح أو يصح أن يقال، فالرأي العام الأردني بحاجة إلى إزاحة الغُمام عن المشهد العام، إن جاز التعبير، وهو غُمام يصنعه ظلمة خدمة لأجنداتهم، عندما يمعنون في التشكيك ومحاولات تشويه موقف أردني تاريخي مرتبط بالكلية بقضية فلسطين منذ ثمانين عاماً وأكثر، وعلى نحو لا يدركه كثير من الجيل الراهن، والسبب هو أن تاريخ الأردن الحقيقي، لم يكتب بعد!.
لا يوجد رأي شعبي عام لا عربياً ولا إسلامياً ولا عالمياً مرتبط بقضية فلسطين، كما هو الرأي العام الأردني، ولم يقدم أحد تضحيات بالدم والشهداء والأنفس والمال والتضامن، كما قدم الأردن وما زال، إنسجاماً مع حقيقة أن ذلك موقف وطني وليس قومياً قط.
الرأي العام الأردني يسمع ويرى ويتابع الشاشات ويقرأ البيانات ويسهر لمتابعة أخبار المذبحة المستنكرة في غزة، ولا يوجد في الأردن كله، أسرة ليست مسكونة بهذا الهم الذي يصنعه احتلال غادر فاقد لصوابه، وهو رأي عام وكما الجميع، لا يعرف إلى أين المآل، وماذا تُخبئ الأيام، خاصة ونحن على عتبة الدخول في شهر رمضان المبارك بعد ساعات من الآن.
الرأي العام الأردني وكعادته تاريخياً، يهتز لما يجري من عربدة الاحتلال في فلسطين، لكنه يواكب ويجمع بين ذلك وبين الدفاع الفطري الطوعي عن الأردن، ويغلي الدم في عروقه ساعة يحاول أي كان، التطاول على الأردن، أو الانتقاص من شأنه، أو من تضحياته، أو اتهامه ظلماً بما ليس فيه.
الشعب الأردني كله ومن سائر الأطياف، أقدر من يميز بين الغث والسمين، الصحيح والكذب، النفاق وقول الحق، وهو يفتدي وطنه بالأرواح حقاً لا زيفاً، إذا ما طاله خطر لا قدر الله.
الأردن اليوم بحاجة إلى نخبه السياسة الصامته، وهي ترى مخاطر الإقليم كله، وبحاجة إلى كل مواطن فيه لأن يلتف حوله وحول فلسطين وقضيتها، أما من تأخذهم العزة بالإثم أو بالوهم أو باللاوعي، فهم مطالبون بتقوى الله في بلدهم، والحفاظ على تلاحم نسيجه الوطني، وصد كل مثير لفتنة لا يقدر عواقبها الوخيمة، فنحن موحدون ويجب أن نبقى موحدين حول بلدنا وقيادتنا وحكومتنا وجيشنا وقوى أمننا، كي لا نترك ثغرة لمغرض أي كان تأخذنا بعيداً عن صدق وصلابة موقفنا مع الأردن وفلسطين، أو تهوي بنا نحو فوضى يتمناها البعض لنا في هذا الإقليم، رد الله كيدهم في نحورهم.
الله من أمام قصدي