رفعت جنوب أفريقيا دعوى قضائية على إسرائيل في محكمة العدل العليا الشهر الماضي (ديسمبر/2023) تتهمها فيها بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، وتتطلب منها فرض إجراءات طارئة لوقف القتال الذي أودى بحياة أكثر من 26 الف فلسطيني غالبيتهم من النساء والأطفال.
وبناء على هذه الدعوى أمرت المحكمة إسرائيل بتاريخ 26 يناير الحالي بمنع أعمال الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين وبذل المزيد من الجهود لمساعدة المدنيين، دون أن تأمر بوقف إطلاق النار كما طلبت جنوب أفريقيا.
ويُعد قرار محكمة العدل الدولية قراراً ملزماً لطرفي القضية(جنوب أفريقيا بوصفها مدّعياّ، وإسرائيل بوصفها مدعى عليه) أي أن قرار المحكمة يُلزم إسرائيل برفع الحصار عن المواد الأساسية، كالدواء والمياه والغذاء، إلى جانب إلزامها بعدم القتل والتحريض على ارتكاب الإبادة، ومنع التدمير، وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بمزاعم ارتكاب إبادة جماعية.
بناء على ما تقدم يبرز تساؤل مهم وهو عن احتمال التزام إسرائيل بهذا القرار الصادر بحقها من جانب محكمة العدل الدولية؟.
من المرجح أن لا تلتزم إسرائيل بقرار المحكمة، خاصة أنها اعتادت تجاهل القانون الدولي، وهذا ما اتضح من تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل صدور القرار اكد فيه أن محكمة العدل الدولية لن تردع إسرائيل عن مواصلة حربها في قطاع غزة حتى تحقيق «النصر الكامل» حسب زعمه، أي أن سلطات الاحتلال كانت قد هيأت نفسها لعدم الالتزام بالقرار قبل صدوره، ومع ذلك، لن يكون من السهل على إسرائيل وداعميها اعتبار القرار كأنه لم يكن؛ صحيح أن القرار لم ينص على وقف اطلاق النار، إلا أنه جاء بشكل ضبط وتقييد للعمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة، مما يعني أنه في حال تنفيذ إسرائيل لما امرت به محكمة العدل العليا بحقها (وهو أمر مشكوك فيه) أن يجعل عملياتها العسكرية أكثر تعقيداً من ذي قبل، مما يخفف بعضاً من العبء عن المقاومة.
ناهيك عن أن موقف إسرائيل القانوني سيصبح أكثر حرجاً أمام المجتمع الدولي، فالقرار صادر عن أعلى هيئة قضائية عالمية، وتجاهله يعني استمرار في ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، وهو ما يخلق حالة من الحرج لراعي إسرائيل من الأنظمة الغربية أمام شعوبهم والعالم. خاصة مع طلب المحكمة من إسرائيل تقديم دلائل على تنفيذ التزاماتها بهذا الخصوص خلال شهر واحد من تاريخ صدور قرار المحكمة (أي في يوم 25 فبراير القادم كحد أقصى).
وهو ما يعني أن استمرار القتال بالطريقة نفسها التي مارستها إسرائيل منذ بدء الحرب في الشهور السابقة، إضافة إلى قائمة الاتهامات لها بالإبادة الجماعية، وضعها في موقف أكثر تعقيداً أمام القانون الدولي. ففي حال تجاهلت إسرائيل أو امتنعت عن تنفيذ قرار المحكمة فانه من الممكن أن يتم إحالة الأمر لمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والتي من شأنها اتخاذ قرار في حال الإخلال عن تطبيق قرار محكمة العدل.
صحيح أن الوصول لمجلس الأمن سيضع الأمر مجدداً رهن الفيتو الأمريكي، بعد أن تم استخدامه عدة مرات سابقة منذ بدء الحرب ضد وقف إطلاق النار، لكن في حال حدوث هذا الأمر، فان ذلك سيضع الأمم المتحدة في حرج كبير باعتبار أن محكمة العدل العليا هي أعلى سلطة قضائية في العالم والمرجع القانوني الأول للأمم المتحدة، ما يضع كل مهام المحكمة قيد إعادة النظر.