تظهر الموازنات الحكومية السنوية دعماً لقطاع المياه يتراوح بين 250 الى 300 مليون دينار،يمثل العجز السنوي لتغطية التكاليف التشغيلة وبعض اعمال الصيانة الضرورية والتي لا تلبي الحد الادنى اللازم لمؤسسات القطاع للقيام بمهامها. وهذا يرتب تدنياً ملحوظاً لخدمات القطاع كمّاً ونوعاً والمتوجب على القطاع تقديمها الى المواطنين.
وبالرغم من بِدء الحكومة منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً بتأسيس ثلاث شركات مياه (شركة مياهنا وشركة مياه اليرموك وشركة مياه العقبة) بهدف تحسين الخدمات وضبط التكاليف من خلال العمل على اسس تجارية بعيدةً عن الروتين الحكومي، الا انها اصبحت عبئاً اضافياً على القطاع بسبب غياب الشفافية والمزاجية في اختيار هيئات المديرين وتعيين الإدارات واستمرار نمطية التفكير الحكومي في اتخاذ القرارات،والاهم هو ربط الإجراءات المتبعة في هذه الشركات بالانظمة الحكومية المعمول بها مثل نظام المشتريات الحكومي (والذي اعتبره خطوة كبيرة الى الوراء) والخدمة المدنية وغيرها، مما اعاد تلك الشركات الى النظام الحكومي وافراغ اهداف تأسيسها من المضمون المقصود من التأسيس. وترتب على هذا الوضع زيادة التكاليفدون ان تتناسب هذه الزيادة مع تحسين نوعية الخدمات، كما اصبحت الشركات تعاني من زيادة خسائرها للحد الذي يلزمبعضها بإعلان افلاسها حسب القوانين المعمول بها.
ولست من دعاة العودة الى الوضع قبل تأسيس الشركات، بل على العكس تماماً، فإني ارى ضرورة ان تقوم الشركات بالعمل على اسس تجارية من خلال ادخال القطاع الخاص كشريك استراتيجي يتملك جزءاً من الاصول بما لايزيد عن 20%وان يقوم بتولي الإدارة فيها بالكامل. وهذا يتطلب ان تقوم الحكومة بإعادة هيكلة القطاع ومؤسساته بما يضمن إعادة النظر بطريقة الدعم الحكومي، على ان يقدم على اساس المتر المكعب الواحد مباشرة الى الشركات والدوائر المعنية بإنتاج المياه وليس الى القطاع بشكل عام لتغطية العجز في نفقاته. بمعنى ان استرداد تكلفة كل متر مكعب واحد من المياه يكون شاملاً الايراد من اثمان المياه،وبالتعرفة المعمول بها في اي وقت،زائداً مبلغ سنوي معلوم ومحدد سلفا من الدعم الحكومي، وكأن الحكومة تقوم بشراء المياه من الشركات بأثمان تجارية وتبيعها للمواطنين بأسعار مدعومة وهي تتحمل الفرق المتمثل بالدعم الحكومي. وهذا بالتأكيد يفرض على القطاع ضبط نفقاته والإلتزام بخطة الإستدامة المالية لقطاع المياه التي اُقرت عام 2022والتعرف على مواطن التكاليف المرتفعة ومعالجتها.
ان قطاع المياه يحتاج الى تغيير الكثير في طريقة إدارته وبأفكار جديدة تتماشى مع التطورات والتحديات الاقتصادية. فالتأخير يفاقم المشكلة، ولا يمكن ان نتوقع تحسناً في القطاع وخدماته والتخفيف على موازنة الدولة ما دمنا نتباطئ في معالجة هذا الوضع والتحضير لما يواجهنا من تزايد التحديات والمتطلبات المستقبلية.