كتاب

خسائر التغير المناخي في الشرق الأوسط

وفقا لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، فإن بلدان الشرق الأوسط ومناطق في آسيا الوسطى سوف تواجه تبعات اقتصادية ومالية وخيمة إذا لم يتم اتخاذ اجراءات كافية متعلقة بالتخفيف من الانبعاثات والتكيف مع أزمة المناخ المتفاقمة سنة إثر أخرى. إذ قالت كريستالينا جورجييفا، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، إن تغير المناخ يؤثر بالفعل على حياة الناس وسبل عيشهم في المنطقة، وأن المشكلة سوف تتفاقم إذا فشل العالم في كبح جماح ارتفاع درجات الحرارة في الغلاف الجوي القريب من سطح كوكبنا.

ويُظهِر أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي بعنوان «الشعور بالحرارة: التكيف مع تغير المناخ في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى»، مدى إلحاح هذه القضية. فعندما ارتفعت درجة الحرارة بمقدار 1.1 درجة مئوية فقط مقارنة بما كانت عليه في نهاية القرن الثامن عشر عندما بدأت الثورة الصناعية، وهي الدرجة التي وصلنا إليها اليوم، فإن نصف سكان العالم يواجهون انعدام الأمن في المياه العذبة، فضلا عن خسائر في الزراعة والصناعة والبنية التحتية. وعلى مدى العقدين الماضيين، ارتفعت وتيرة وشدة الكوارث المرتبطة بالمناخ في منطقتنا بشكل أسرع من أي مكان آخر في العالم: مثلا تعمق الجفاف في شمالي أفريقيا والصومال وإيران، وانتشار الأوبئة وتفشي الجراد في القرن الأفريقي، والفيضانات الشديدة في القوقاز وآسيا الوسطى. وكما تظهر الدراسة أنه خلال هذا القرن، وفي متوسط لعام واحد فقط، تسببت الكوارث المناخية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في إصابة أو نزوح 7 ملايين شخص، وأدت إلى وفاة أكثر من 2600 شخص، وتسببت في أضرار بقيمة ملياري دولار.

ولمعالجة هذه المشكلة، يحتاج العالم إلى خفض الانبعاثات العالمية بمقدار النصف مع وصولنا إلى عام 2030. وتشكل الآثار الاقتصادية والمالية لتأثيرات تغير المناخ تهديدا كبيرا للنمو الاقتصادي والصحي والازدهار في المنطقة، بل إنها تتسببت في خسائر دائمة لا تتوقف. وبما أن تحديات المناخ اليوم تسببت بالفعل في خسائر فادحة ومستدامة، فانه يتعين على كافة البلدان أن تعمل على خفض الانبعاثات بشكل كبير من أجل تثبيت استقرار درجات الحرارة العالمية وجعل تحدي التكيف أكثر قابلية للإدارة والنجاح، وذلك للحد من انخفاض الناتج المحلي الإجمالي.

ولتحقيق هذه الغاية، يوصي صندوق النقد الدولي برفع ضريبة الكربون بشكل مضطرد، فضلا عن جعل الصناعات تدفع ثمن انبعاثاتها الكربونية، الأمر الذي سوف يحفز الشركات على تقليل بصمتها الكربونية. ويوصي أيضا بوضع حد على إجمالي الانبعاثات (أنظمة الحد الأقصى للتجارة) والسماح للشركات بشراء بدلات الانبعاثات وبيعها؛ وهذا يشجع على خفض الانبعاثات وتوزيعها حول العالم بأكثر الطرق فعالية. أضف إلى ذلك زيادة مستوى الاستثمارات الخضراء والبنية التحتية الموفرة للطاقة، مثل الاستثمارات في المباني الخضراء، وتطوير وسائل النقل العام، وتحديث التكنولوجيات الموفرة للطاقة والمياه (بما في ذلك تسهيل نقل التكنولوجيا بين الدول) التي تسهم في خفض الاستهلاك الإجمالي للطاقة ومياه الشرب، وتخفيف التأثير البيئي، فضلاً عن اتخاذ التدابير اللازمة لضمان التحول العادل إلى الطاقة النظيفة. فعلى سبيل المثال، قادت دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المنطقة من العالم الجهود الإقليمية من خلال تعهدها برفع كفاءة استخدام المياه واستثمار أكثر من 160 مليار دولار في مصادر الطاقة المتجددة لتحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2050. كذلك فإن حصة الطاقة المتجددة النظيفة والمستدامة من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة في الأردن تطورت من 2% عام 2015 لتصل إلى حوالي 30% عام 2023، مستهدفة 50% عام 2030.

ويتطلب الانتقال إلى الطاقة النظيفة دعم المجتمعات الانتاجية، حيث أن التحول إلى الطاقة النظيفة قد يؤثر على المجتمعات التي تعتمد على الصناعات التقليدية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تأمين برامج إعادة التدريب الوظيفي، والدعم الاجتماعي، وتوفير الفرص الاقتصادية الجديدة التي يمكنها أن تجعل الفترة الانتقالية أكثر عدالة. ويتطلب ذلك أيضا توفير شبكات الأمان الاجتماعي، حيث أن تنفيذ شبكات الأمان والبرامج الاجتماعية يمكن أن يحمي الفئات السكانية الضعيفة من الآثار الاقتصادية للصناعات التي تمر بمرحلة انتقالية.

ويجب على البلدان أيضا إعطاء الأولوية لتدابير إدارة المخاطر العالية، والتي يمكن تبريرها في ظل جميع السيناريوهات المناخية المحتملة في المستقبل. وهناك أمثلة مهمة من شمالي أفريقيا، حيث تستثمر مصر في تقنيات الري الحديثة والتعليم والرعاية الصحية. ومع ذلك، ينبغي إدراج سياسات التكيف في الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية. ومن الممكن أن تساعد تدخلات محددة في تعزيز الاستثمار العام في البنية التحتية القادرة على الصمود، بما في ذلك زيادة الحماية من الفيضانات، وتحسين طرق الري، وتحسين تصميم المباني. وتظهر عمليات المحاكاة الخاصة بالمغرب أن الاستثمار في البنية التحتية للمياه يحسن القدرة على مقاومة الجفاف، ويقلل من خسائر الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 60 % تقريباً.

لذلك، ينبغي لبلدان الشرق الأوسط، وعلى المستوى المحلي، بما في ذلك الأردن، أن تبدأ في تعبئة الإيرادات، وزيادة كفاءة الطاقة والمياه والري، واختيار المحاصيل الزراعية المناسبة لندرة المياه، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، حيثما كان ذلك ممكنا. أما على المستوى الدولي، فتتمثل البداية الجيدة للاقتصادات المتقدمة في تحقيق أو تجاوز هدف توفير 100 مليار دولار سنويا لتمويل المناخ للدول النامية.