رغم النجاحات التي حققتها قمة المناخ في باريس 2015 وما تلاها من اجتماعات مؤتمرات الأطراف التي كان آخرها COP28 في دبي 2023، فإن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الفشل في وضع سقف للاحتباس الحراري العالمي عند 1.5 درجة سلسيوس بحلول عام 2050 معقدة للغاية، وتشمل مجموعة واسعة من القطاعات، كما تفرض مخاطر مالية كبيرة على نطاق عالمي. ومع تسارع تغير المناخ، تصبح الخسائر الاقتصادية المحتملة مذهلة، من حيث أنها تؤثر على الصناعة، والزراعة، والبنية التحتية، ورفاهية الشعوب بعامة، ومؤشر السعادة للمجتمعات في جميع أنحاء العالم.
إحدى العواقب الاقتصادية الرئيسة لتجاوز هدف 1.5 درجة هي زيادة تواتر الأحداث المناخية وشدتها المتطرفة. إذ أصبحت الأعاصير تشتد، وبات الجفاف يتعمق، وغدت الفيضانات أعظم اندياحا، وحرائق الغابات ما فتئت أكثر انتشارا وعددا وشدة، مما يؤدي إلى أضرار جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة، والبنية التحتية، والزراعة، وتعطيل الخدمات الأساسية، وغيرها. إذ يمكن أن تصل الخسائر الاقتصادية الناجمة عن إعادة البناء والتعافي في أعقاب مثل هذه الأحداث إلى تريليونات الدولارات، مما يرهق الميزانيات الوطنية، ويعوق النمو الاقتصادي، ويزيد التوتر السياسي بين الدول إلى حد يصبح عنده الحديث عن السلام بعيد المنال.
إن الزراعة ومياه الشرب، التي تشكل حجر الزاوية في العديد من الاقتصادات، معرضة بشدة لتغير المناخ. كما أن ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الرطوبة النسبية، والتغيرات الحاصلة في أنماط هطول الأمطار وشدتها، وانتشار الآفات الزراعية والأمراض، يمكنها أن تؤدي إلى انخفاض كبير في إنتاجية المحاصيل، فتؤثر بالتالي على سبل عيش ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على هذا القطاع، ويتهدد الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي. وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما يؤدي إلى تضخيم التداعيات الاقتصادية التي نعاني منها على صعيد عالمي.
كما يشكل ارتفاع مستويات سطح البحر، وهو نتيجة مباشرة للاحتباس الحراري والتغير المناخي، تهديدا كبيرا للمناطق الساحلية واقتصاداتها. وتواجه المناطق المنخفضة، بما في ذلك المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية الحيوية، خطر الفيضانات وتسرب المياه المالحة إلى مياه الشرب. وتسهم الأضرار الناجمة عن ذلك في الممتلكات، وفقدان الأراضي، وتشريد السكان، في إحداث خسائر اقتصادية فادحة. علاوة على ذلك، قد تكافح صناعة التأمين للتعامل مع التكرار المتزايد للمطالبات المتعلقة بأضرار المناخ، مما يؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين وعدم الاستقرار المالي داخل القطاعات المختلفة.
والقطاع الصحي أيضا ليس محصناً ضد التأثير الاقتصادي السلبي لتغير المناخ، إذ يمكن أن يؤدي انتشار الأمراض المعدية، الذي يتفاقم بسبب تطرف الظروف المناخية، إلى إجهاد أنظمة الرعاية الصحية، وبالتالي إلى زيادة التكاليف الطبية. كما أن زيادة الأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، والحاجة إلى توسيع خدمات الرعاية الصحية لمعالجة الآثار الصحية الأوسع لتغير المناخ، تسهم كذلك في تصاعد الأعباء الاقتصادية على الحكومات والمجتمعات العالمية.
وفي معالجة العواقب الاقتصادية المترتبة على الفشل في تحقيق هدف وقف ارتفاع معدل درجة الحرارة عند درجة ونصف الدرجة، فمن الضروري أن ننظر في المفهوم الأوسع المتمثل في «تمويل المناخ» كما سعت إلى ذلك الأمم المتحدة في مؤتمر دبي الأخير.
ويشمل ذلك دعم الدول النامية في التكيف مع آثار تغير المناخ والتخفيف من آثاره عبر صناديق المناخ الخضراء. وقد يؤدي الفشل في تحقيق هدف 1.5 درجة إلى زيادة الحاجة إلى تمويل المناخ بشكل أعظم بكثير لمساعدة البلدان النامية على التعامل مع آثار الكوارث المرتبطة بالمناخ، ومن ثم الانتقال إلى ممارسات أكثر استدامة.
وعلى الرغم من التوقعات القاتمة حاليا فيما يتعلق بإمكانية التوقف عند 1.5 درجة، فيظل هناك جانب مضيء من تمويل المناخ على محدوديته، إذ إن الاستثمار في تدابير التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه يمكنه أن يحفز النمو الاقتصادي في الدول النامية، ويخلق فرصا جديدة للعمل، ويتيح لقطاع الطاقة المتجددة بالازدهار، فيساعد الدول على انجاز التزاماتها تجاه المناخ والانتقال الطاقي. ومن خلال التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، تستطيع عندها البلدان تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي، فتخلق مستقبلا اقتصاديا أكثر استدامة.
وبناء عليه، فإن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالفشل في توقيف الاحتباس الحراري العالمي عند 1.5 درجة بحلول عام 2050 مذهلة، من حيث تدمير البنية التحتية بسبب الظواهر الجوية المتطرفة، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، وغيرها، فتصبح الآثار الاقتصادية واسعة ومتنوعة. لذا، فإن الاستثمار الاستباقي في تدابير التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معه لا يمكن أن يحد من هذه الخسائر فحسب، بل يمهد الطريق أيضا لمستقبل أكثر استدامة ومرونة اقتصاديا في مواجهات الأزمات الأخرى. فمن الضروري أن نعمل بسرعة على المستوى العالمي لمواجهة التحديات التي يفرضها تغير المناخ، وتأمين أساس اقتصادي مستقر للأجيال القادمة.