يضم إقليم جنوب القوقاز ثلاث دول (أرمينيا، وجورجيا، وأذربيجان)، وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 أعلن إقليم كاراباخ ذو الأغلبية الأرمينية الواقع داخل أراضي أذربيجان الاستقلال، ولم يحصل على اعتراف دولي إلا من أرمينيا التي تدخلت عسكرياً لدعمه. ففي عام 1988 اندلعت حرب كاراباخ الأولى وانتهت في عام 1994 بسيطرة أرمينيا على 20% من المساحة الكلية لأذربيجان، وفي أبريل 2020 اندلعت حرب كاراباخ الثانية وانتهت في نفس العام بانتصار أذربيجان واستعادتها للسيطرة على معظم أجزاء الإقليم.
وبعد ثلاث سنوات من حرب كاراباخ الثانية، يأتي النصر الجديد الذي حققته باكو في هجومها الخاطف على الانفصاليين الأرمن في الإقليم في 19/سبتمبر/ الماضي، وفي اليوم التالي لهذه الاشتباكات بين القوات الأذرية وقوات السلطة المحلية لإقليم كاراباخ والتي أُطلق عليها (حرب اليوم الواحد) أُعلن عن إنهاء الكيان الانفصالي المعروف باسم (جمهورية ناجورنو كاراباخ) أو (أرتساخ) وكافة المؤسسات المتعلقة بها بنهاية العام الحالي، لينتهي بذلك ثلاثة عقود من الصراع المسلح بجنوب القوقاز.
لقد أفرزت الحرب الثانية وهجوم سبتمبر الخاطف عدداً من التحولات الجيوسياسية في جنوب القوقاز تعمل جميعها على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتتمثل هذه التحولات فيما يلي:
1- التصدع الكبير الذي أظهرته حرب كاراباخ الثانية وهجوم سبتمبر في التحالف التاريخي بين روسيا وأرمينيا، في حين أن التحالف الدفاعي بين البلدين شكل عائقاً كبيراً أمام أذربيجان لعكس موازين الصراع على كاراباخ لصالحها في العقود الثلاثة الماضية. فقد اختارت موسكو طواعية التخلي عن حليفتها أرمينيا حالياً مقابل تعزيز الوجود العسكري الروسي في أوكرانيا، أي أن موسكو لا ترغب في بدء نزاع مسلح جديد. كما أنها تعمدت التخلي عن دعم رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان منذ وصوله إلى السلطة في عام 2018، لتوجهاته (المعادية) لموسكو، وتقاربه المستمر مع الغرب. هذا بخلاف أن موسكو تمكنت من تعزيز وجودها العسكري في آسيا الوسطى المجاورة للقوقاز بإنشاء وتوسيع قاعدة عسكرية ثانية في قيرغستان، وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع أفغانستان؛ ما يعرقل عودة النفوذ الأمريكي إليها.
2- تعميق التحالف الأذربيجاني- التركي الذي لعب دوراً أساسياً في تغيير موازين الصراع على كاراباخ لصالح باكو، وهذا يعود إلى التحالف الاستراتيجي الوثيق بين أنقرة وباكو والذي يتخذ صوراً عسكريةً من خلال الدعم اللوجستي والعسكري الذي تقدمه أنقرة لها، عبر تصدير طائرات (بيرقيدار) بدون طيار التي ساهمت في الانتصار بحرب كاراباخ الثانية، فضلا عن ارتفاع حجم التبادل التجاري بينهما، مما فتح آفاقاً جديدة أمام أنقرة لتعميق دورها المتنامي في تجارة الطاقة الإقليمية، ولتعزيز روابطها مع الدول السوفييتية السابقة الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى.
3- تراجع النفوذ الإيراني-الأرميني، فقد أفرز انتهاء الصراع على إقليم كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا تحولا جيوسياسياً في منطقة جنوب القوقاز جعل إيران لاعباً على الهامش في الجغرافيا السياسية الجديدة للمنطقة. فصحيح أن استعادة أذربيجان لإقليم كاراباخ تُعد هزيمة معنوية لأرمينيا حتى مع قبولها لذلك، ألا أنها أيضا تُعد تراجعاً لحليفتها الأقرب بالمنطقة، وهي أيران التي تُعتبر خصماً إقليمياً لأذربيجان، والتي قدمت دعماً مستمراً لبريفان على مدى العقود الثلاثة الماضية. فإلى جانب مخاطر التهميش الجيوسياسي على صعيد علاقة طهران بريفان، ستواجه إيران ضعفاً في التنافس الجيوسياسي مع تركيا على النفوذ في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، كما ستواجه إيران تحدّياً آخر يتمثل في العلاقات المتنامية بين أذربيجان وإسرائيل، علاوة على ذلك، تحد الشراكة المتنامية بين تركيا وروسيا في جنوب القوقاز من الدور الجيوسياسي لإيران في المنطقة.
4- يتمثل التحول الرابع والأخير في تنامي الحضور الأميركي؛ فالولايات المتحدة تعمل حالياً على توسيع انخراطها في منطقة القوقاز من خلال توظيف الخلافات المتنامية بين أرمينيا وروسيا، واستقطاب بريفان بعيداً عن موسكو، فهناك مساعِ أميركية مُكثفة لاستغلال التراجع الملحوظ للنفوذ الروسي في منطقة جنوب القوقاز، لمحاولة التمدد في هذه المنطقة الجيوستراتيجية.