إنّ تناول القضايا المفصلية في الأمم، تحتاج إلى حكمة بالغة وفهم ثاقب، حتى لا يتسع الخرق على الراقع، وهناك قضايا تكون في ظاهرها بحاجة إلى كلمات وتأملات مع رشفة فنجان من القهوة، ولكنها في حقيقتها التي قد لا تظهر بالعين المجرّدة، معقدة تحتاج إلى استثنائية في التدبير، وإطالة أعمار في التفكير وإلى حِلم وأناة في إدارة ملفاتها وجمع شتاتها.. وما قضية فلسطين عن ذلك ببعيد.
ومع أنّ قلوبَنا تنبض في حبّ فلسطين، وأنياطها تقطعت على ما حصل في غزة، ومشاعرنا تتجه نحو الأمل بتوفير حماية لأهلنا فيها وفي عموم فلسطين، إلا أننا إذا لامسنا الواقع، وجدنا الحاجة ملحة لإيجاد أصحاب الهمم العالية الذين يتحملون مسؤولياتهم تجاه أوطانهم، فيقفون مع قضية الأمة المحورية، ويقدمون الرأي والمشورة والدعم بأنواعه، وتحريك القضية نحو تحقيق المصالح وتقليل الخسائر.. وما الأردنّ عن ذلك ببعيد.
فاليوم.. وقف الأردنّ وقفة هاشمية وهو يخاطب العالم بضرورة الحضور الإنسانيّ بواجبه تجاه فلسطين، وأن لا نترك الهمجية تسيطر على الموقف، وأنّ التهافت وراء الحلول غير الجذرية لن ينبت الكلأ ولن يسقي العطشان، بل سيهدم الإنسان والبنيان.
ففي واحدة من سلسلة المواقف التي تسطّر للأردنّ – قيادة وحكومة وشعبا-، ما نجده من خلال خطابات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي لم ولن يألوا جهدا في التعرّض لنصرة أهلنا في فلسطين المحتلة، والقدس والمقدسات وقضيتهم العادلة.
وفي خطاب العرش السامي الذي وقف جلالته يخاطب أبناءه الأردنيين، لتجديد الهمة والعزيمة في بناء الأردنّ، وحضّ الأجيال على أداء الواجب وتوجيه الشباب لأخذ أدوارهم المنوطة بهم، والسعي لرفع المستويات عموما، نجد أنّ جلالته خاطبَ الوعيَ الإنسانيّ في وقف النزاع والنزيف في قطاع غزّة، وضرورة تحكيم العقل، كما أنّه أكد على أمور ذات علاقة بالغة بالوصاية الهاشمية وبدور الأردنّ المنوط به في هذه المنطقة من العالم.
ومن الكلمات التي وصلت إلى مسامع العالم، ما أكده جلالته، بقوله: 'ستبقى بوصلتنا فلسطين وتاجها القدس الشريف ولن نحيد عن الدفاع عن مصالحها وقضيتها العادلة'. فهذا التأكيد يحدد كثيرا من المسارات، ويعطي العديد من الإشارات، ويقطع الطريق على كثير ممن يزايدون على الأردنّ وعلى موقفه الأصيل، ويبرهن على أنّ العلاقات التي يقيمها الأردنّ مع العموم لا تعني تجاوز الخقوق العادلة للقضية البوصلة، وليس على حساب تاج تلك البوصلة.
وهنا نجد الأصالة المتجذّرة، بقول جلالته: 'موقف الأردن سيظل ثابتا، ولن نتخلى عن دورنا مهما بلغت التحديات، في سبيل الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والحفاظ عليها من منطلق الوصاية الهاشمية'. فهل سيعي الذين يطيلون زمن الأزمات، ويفتعلونها على حساب أمن وطمأنينة العباد والبلاد، من أنّ العبثية في الأرواح والممتلكات لا تزيد الأحرار إلا تمسكا في المضيّ نحو العدل والعدالة؟.. الأمل بالوعي موجود.
وتأتي طمأنة العرب، وهم بيضة هذه الأمة، كما أنّهم الأشقاء الذين هم بحاجة لمن يلملم جراحاتهم، ويسعى على احتياجاتهم ووحدة صفهم، فتأتي كلمة الملك عبدالله الثاني، ليقول: 'الأردن سيبقى في خندق العروبة يبذل كل ما بوسعه في سبيل الوقوف مع أشقائه العرب'، فقضية فلسطين التي يحملها الأردنّ على عاتقيه باذلا الغالي والنفيس، لتحقيق خطوة من التقدم لها، هي قضية العرب الذين عليها يجتمعون، فمن يخدمها كان في خندقهم.
والعرب هم أصل أمة عريضة تنتظر منهم الوفاق والاتفاق، وأنّ الخندق الذي يجمعهم ينبغي أن يسعهم دون اختلاف يمنع اجتماعهم.
فكم هي عظيمة الكلمات التي تأتي على حين تمزق لترأب الصدع، وعلى حين الجراحات فتشفيها، وعلى حين نزاع يزرع الألغام فتأتي الكلمات العظيمة لتزرع السلام والوئام في زمن نحن بحاجة إلى منظومة من المودة واحترام الإنسان للإنسان.. بعيدا عن التقتيل والتشريد لشعوب تعبت مع الأيام أقدامها، وتدمرت أحلامها.
الأردنّ.. كلمة تجوب العالم، تسعى للحلول الأقرب لتحقيق العدل والسلام، ولا سلام من غير عدل في قضية العرب والإسلام.. فلسطين وتاجها القدس!!.
agaweed1966@gmail.com