عُقدت القمة الخامسة عشرة لتكتل دول «بريكس» (BRICS) الخمس، وهي: البرازيل، وروسيا، والهند, والصين، وجنوب إفريقيا في مدينة جوهانسبرغ، في الفترة من 22 ألى 24 أغسطس 2023، وشارك في أعمالها جميع رؤساء دول التكتل، عدا الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي اعتذر عن عدم إمكانية المشاركة شخصياً، بسبب مذكرة التوقيف الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية في مارس الماضي ارتباطاً بالحرب في أوكرانيا، وبعد مشاورات بين بريتوريا وموسكو تم الإعلان بعدها على التوافق حول مشاركته عبر الاتصال الصوتي- المرئي.
ولم تكد قمة جوهانسبرغ تختتم أعمالها حتى أعلن الوفد الجنوب أفريقي المضيف عن اتفاق قادة المجموعة على قبول عضوية ست دول أخرى، وهي: السعودية، والإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، والأرجنتين، بدءاً من أول يناير 2024 ليصير عدد دول تكتل «بريكس» 11 دولة. وهذه بالطبع خطوة كبيرة في طريق توسيع نطاق التكتل، لاسيما أن الدول الست تضيف تنوعات اقتصادية جديدة إلى دول بريكس الخمس الحالية.
وقد بدا واضحاً أن اختيار الدول الست الأعضاء الجدد في تكتل «بريكس» قد استند إلى عدة معايير، لعل أبرزها مسألة بناء «حزام جيو-استراتيجي» للتكتل، يربط بين قارات العالم، ويساعد في بلورة مكانة دولية له، سياسياً و اقتصادياً، وكذلك أمنياً، الأمر الذي يعزز من مكانتها في النظام الدولي.
فتكتل «بريكس» يسعى إلى توطيد قدميه بالنظام الدولي سياسيا ًواقتصادياً، عبر استغلال الفرص السانحة نتيجة التحولات الديناميكية التي بات يشهدها العالم في السنوات الأخيرة، كجائحة كورونا ودبلوماسية اللقاحات المصاحبة لها، إلى جانب الأزمة الروسية-الأوكرانية و تداعياتها، وكذلك التحديات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية. فقد أسهمت تلك العوامل مجتمعة في الكشف عن التغير في مفهوم القوة ومظاهرها وأنماطها.
في مثل هذا السياق، وما يلحق بالنظام الدولي من تحولات في موازين القوى، برزت بعض القوى والتكتلات التي تسعى إلى كسر الهيمنة الغربية والدفاع عن مصالحها ووجودها كمراكز قوة مستقلة لها وجودها في معادلات توازنات القوى والتفاعلات الدولية والإقليمية، مثلما هو الحال للدول الآسيوية والأفريقية و اللاتينية، والاقتصادات الناشئة والنامية. ومن ثم، سعت العديد من التكتلات السياسية والاقتصادية، التي تعبر عن تلك القوى الصاعدة، إلى توطيد أقدامها على الساحتين الدولية والإقليمية، ومن بينها تكتل «بريكس».
ورغم أن البيان الختامي لقمة جوهانسبرغ قد ركز على مسألة ضم الأعضاء الجدد، فإنه-في الوقت نفسه- يمكن اعتباره مدخلا لفهم التحول في الخطط الاستراتيجية للتكتل، والتي يمكن أن تظهر نتائجها خلال السنوات المقبلة. فقد سعى التكتل منذ البداية إلى الحد من سيطرة الولايات المتحدة على النظام الدولي، وتحديداً في جانبه الاقتصادي، وذلك عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري فيما بين دول التكتل، والذي اتخذ بالفعل عدة خطوات، تمثل أبرزها في تأسيس «بنك التنمية الجديد"(NDB) في عام 2015، بهدف دعم المشروعات العامة أو الخاصة، من خلال م?ح القروض والضمانات، والمشاركة في رأس المال والأدوات المالية الأخرى، إلى جانب بدء مشاورات تهدف إلى طرح عملة موحدة مدعومة بالذهب، لاستخدامها في المعاملات الاقتصادية والتجارية.
فهدف تكتل «بريكس» بالأساس هو تغيير الوضع الاقتصادي العالمي الراهن وتحسين حالة المؤسسات المالية الإنمائية المنبثقة عن نظام «بريتون وودز»، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وحوكمة دورها إزاء الاقتصادات النامية ودول الجنوب. نطراً لما تمثله تلك المؤسسات من تجسيد لقيم الهيمنة والنفوذ الغربي والأنماط الجديدة للتبعية والاستعمار في إطار مشروطية التمويل وسياسات التكيف الهيكلي المصاحبة لها، وهو الأمر الذي يتطلب إيجاد بديل لها أكثر اتساقاً مع احتياجات دول الجنوب وأكثر مراعاة لأحقيتها في التنمي? في إطار من الاستقلالية.
ولكن، رغم حالة التوافق الظاهرة بين دول تكتل «بريكس»، إلا أنه لا يمكن إغفال بعض العوامل التي قد تهدد تماسكه وفاعليته، وهذه العوامل تفرضها طبيعة بناء تكتل «بريكس» من ناحية والتي تتضمن ما يؤشر إلى بناء نظام مواز لذلك القائم حالياً، تقوده الصين تحديداً، باعتبارها الأكبر اقتصادياً في التكتل، وهو ما يُعد أبرز تحديات استمرار تكتل «بريكس» في المستقبل. وهناك من ناحية أخرى قضايا العلاقات البينية، ففما لاشك فيه أن التباينات السياسية والاقتصادية فيما بين دول التكتل الأعضاء في «بريكس» وتضارب مصالحها ومواقفها تجاه قضايا?عديدة قد يسهم في محدودية نجاح التكتل في كسب جاذبية أقوى وتحقيق نتائج تعاون أفضل وأكثر، مما يحد من دوره كقوة رئيسية في دفع التغيير الإيجابي لنظام الحوكمة العالمي.