المتابع للمد والجزر في العلاقات الأمريكية الصينية، يجد هناك ارتفاعا في مستوى الزيارات المتبادلة بين الطرفين والتي تأتي ضمن سياسة الاحتواء لا سياسة الاستقواء، والاهم من ذلك هو تجاوز الحسابات الخاطئة.. فالولايات المتحدة تحتاج للصين، والصين تحتاج إلى الولايات المتحدة من أجل استقرار العالم اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا...
الصين تسعى جاهدة للتقرب من مناطق الاهتمام والنفوذ الأميركي كالشرق الأوسط والقارة الأفريقية ومنطقة آسيا الوسطى. حيث تحاول الصين الوصول إلى هذه المناطق من خلال القوة الناعمة الاقتصادية وتكنولوجيا المعرفة، ومبادرة الحزام والطريق والمشاريع الاقتصادية والاستثمارات، حيث يشهد النظام الدولي الحالي لاسيما بشقه الاقتصادي تحولات هيكلية متسارعة في خط متواز مع صراع الهيمنة والتنافس الجيوسياسي والاستراتيجي بميادين مختلفة بين عدد من القوى الدولية الكبرى، من بينها الولايات المتحدة والصين اللتان تتسابقان على قيادة العالم ا?تصاديا، وكأنهما على حافة مواجهات أعمق وسياسات أكثر تشدداً من الجانبين في إطار التصعيد المتبادل.
وكأننا نقول إن هناك حربا باردة قائمة بين الولايات المتحدة والصين بذخيرة اقتصادية وتكنولوجية، وبالمقابل يمكن القول إن هناك فرصا وتحديات لكلا الطرفين في هذه الحرب الاقتصادية، حيث يسعى كل طرف للظفر بالفرص وتجنب التحديات من خلال تخفيض منسوب المسار التصاعدي ورفع منسوب المسار التقاربي، وما زيارة وزير الخارجية الأميركي الأخيرة للصين إلا دليل على أدارة التنافس الاستراتيجي والجيوسياسي بين الطرفين والتقليل من احتمالات الأخطاء في تفسير المواقف.
من الفرص المتاحة للبلدين هو زيادة حجم التبادل التجاري والتكنولوجي بينهما من أجل الاقتصاد العالمي الذي يعاني من ارتفاع أسعار الرقائق المتقدمة حيث تمثل تايوان 80% من حجم هذه الصناعة.
أما التحديات الجديدة فهي تتمثل في التحالفات الأمنية والعسكرية المناهضة للصين في شرق آسيا التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة وخصوصا في تايوان وكوريا الجنوبية والفلبين واليابان واستراليا، كما ان استمرار الحظر التجاري والتكنولوجي على الصين قد يجبر الصين للبحث عن تحالفات وتفاهمات اقليمية مع روسيا وايران وكوريا الشمالية لمواجهة التحالفات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
الولايات المتحدة تعمل جاهدة مع حلفائها لاحتواء النفوذ الصيني في القارة الأفريقية خاصة في الدول الغنية بانواع المعادن اللازمة لإنتاج التقنيات الخضراء المستقبلية بالإضافة إلى الاستثمار في موارد الغاز والنفط القادم من القارة الأفريقية التي تحتوي على كتلة بشرية تصل إلى 1.8 مليار نسمة وتلعب دورا كبيرا في الاقتصاد العالمي نموا وانكماشا في نفس الوقت.
ما يقلق الولايات المتحدة أن الصين أصبحت دولة مرحبا بها في الشرق الأوسط وافريقيا ومنطقة الخليج العربي في المجالات الاقتصادية والقوة الناعمة والاستثمارات، حيث وصل حجم التبادل التجاري الصيني مع دول الشرق الأوسط وشمال إلى 260 مليار دولار في عام 2022، كما ان الصين كانت وما زالت تتفادى التورط في صراعات الشرق الأوسط وإفريقيا، وبدلا من تحدي هيمنة الولايات المتحدة وتفوّقها العسكري في الشرق الأوسط ما بعد الحرب الباردة استفادت الصين كقوة عظمى ثانوية من الغطاء الأمني الأميركي من دون أن تسهم فيه ومن دون أن تتكبّد الكلف? الأمنية نفسها التي تكبّدتها الولايات المتحدة الأميركية ومن دون أن تواجه المعضلات الاستراتيجية ذاتها.
أعتقد أن الطريقة التي تتبعها الصين من خلال طرح مبادرات وحلول تفاوضية للنزاعات والحروب عامل جذب لدول المنطقة وخير مثال الوساطة الصينية بين السعودية وإيران، والمبادرة الصينية لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، إلا دليل على أن الصين قادمة كلاعب سياسي واقتصادي وتكنولوجي وهذا ما يجب أن تدركه الولايات المتحدة عاجلا ام آجلا.
بالمقابل على الولايات المتحدة الأميركية أن لا تنظر إلى الحضور السياسي والاقتصادي والتكنولوجي بأنه تهديد لها ولمصالحها بل قد يكون فرصة للطرفين للتقارب، وقد يفتح مجالات واسعة أمام زيادة التعاون بينهما من خلال الاستثمار المتبادل في العلاقات الإقليمية والدولية وزيادة الروابط التجارية وحرية الملاحة وتدفق للنفط بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
لواء متقاعد