تعتبر مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي من بين اهم المؤشرات الدالة على مدى التقدم الاقتصادي والاجتماعي المتحقق لهذه الدولة او تلك، اذ كلما زاد وزن هذا القطاع، بفروعه المختلفة كلما كان ذلك دليل عافية على ارتفاع درجة التطور المتساوق مع روح العصر وقيمه الحديثة، وليس ابلغ من ذلك الحقيقة الماثلة امام ابصارنا اليوم، وهي ان دول العالم الثالث المتأخرة عن اللحاق بركب الحضارة لعدة أسباب يطول شرحها، لا تزال اقتصاداتها معتمدة على الإنتاج الزراعي والصناعي، فيما تسابق الدول المتقدمة في الغرب نفسها على دروب ا?تقنية الرقمية، ذات العوائد العالية، والقيمة المضافة المدرة للدخل المرتفع، وهذه هي الحداثة بعينها، المستمدة من الوفورات المتخلقة من تعظيم مساهمة المنتجات الخدميةـ المقرر لها ان تدخل على تقنيات الذكاء الاصطناعي في اجل غير بعيد.
واذا كان الأردن لا يزال متموضعاً في منطقة وسطى بين الاقتصاد الكلاسيكي والاقتصاد الآخذ بالنمو الحثيث، الا انه يمتلك المقومات اللازمة لغذ الخطى بوتيرة اسرع على طريق التقدم المنشود، واللحاق بصف الدول المتطورة، نظراً لما يحوزه من سمات نوعية ممتازة، أساسها، الى جانب عناصر أخرى غير منظورة، كل من الانسان المؤهل والبنية التحتية، وهما العاملان اللذان وفرا لبلد شحيح الموارد الطبيعية، هذه القفزة المشهود لها، وجعلا منه محط انظار المحيط العربي، كونه بقعة آمنة تقدم افضل ما لدى العالم المتقدم من خدمات راقية، لاسيما في ال?عليم والتعليم الجامعي، ناهيك عن خدمات الطب والاعلاج، وهذا هو موضوعنا اليوم.
ولما كنت واحداً من المنخرطين في القطاع الطبي الخاص، المدركين لمدى أهمية هذه الخدمة الإنسانية النبيلة، على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، العارفين بقدرات هذا القطاع، المتداخل بكثافة شديدة مع غيره من فروع الاقتصاد الوطني، المتأكدين من امكانياته الحقيقية في المساهمة الواسعة، اولاً في تعزيز الصورة الأردنية، ومن ثمة تحقيق المنافع الجمة للمستثمرين والكوادر الطبية والتمريضية والإدارية، فضلاً عن الارتدادات الايجابية للخدمة الطبية على نطاق عريض للغاية من المستفيدين، لاسيما في قطاع السياحة والفندقة والمواصلات وال?عام والشراب، وحدث ولا حرج عن القيمة المضافة والفرص التي يتيحها قطاع المستشفيات الخاصة على كل الصعد وسائر المجالات.
على هذه الخلفية اود ان اكثف الضوء ما استطعت على واحدة من اهم القدرات الكامنة لدى القطاع الطبي الخاص، واعني بها فرع السياحة العلاجية والاستشفاء، هذا الفرع الذي صار في السنوات القليلة الماضية صناعة متقدمة وواسعة على نحو يفوق التوقعات، بل وبات مصدراً رئيساً من مصادر الدخل لعدد متزايد من البلدان في الجوار، نظراً لما ينطوي عليه هذا الفرع الواعد من عوائد لا تحصى، بينها زيادة القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن كل ما سبقت الإشارة اليه من عوائد تشغيلية تخص فئات عمالية وفروع كثيرة من فروع اقتصاد يتزايد ?يه وزن قطاع الخدمات.
اذا كانت هذه هي المرة الأولى التي اتطرق فيها من على منبر $ الغراء الى مسألة السياحة العلاجية والاستشفائية المرحب بها في الأردن، فإنها لن تكون الاخيرة من سلسلة المقالات المنوي نشرها اسبوعياً ان شاء الله، حيث سأركز في كل مطالعة على جانب او أكثر من جوانب ما اعتقد وأرى بأم العين، ان هذه السياحة المتخصصة تكاد ان تكون بمثابة بئر نفط غير مستغل بعد، وان فيها فرصة سانحة لتعزيز الصورة الأردنية، فوق انها تعد، رغم ما تنطوي عليه من تحديات، بإحداث نقلة إضافية على طريق التقدم الاقتصادي الاجتماعي المرغوب به، لاسيما في مثل هذه الظروف العصيبة التي يمر به الاقتصاد الطالع لتوه من آث?ر جائحة كرونا.