يأتي هذا المقال في ضوء دراسة علمية نُشرت حديثًا أجراها الأستاذ الدكتور أحمد التميمي وفريقه في أحد أعرق المجلات العلمية العالمية المُتخصصة في التعليم الطبي وهي مجلة » BMC Medical Education Journal»، تركزت الدراسة حول العلاقة بين شهادة الثانوية العامة (حيث تضمنت 17 نوعًا من شهادات الثانوية العامة أو ما يعادلها من دول عديدة من المنطقة العربية والدولية وعلى رأسها التوجيهي الأردني) ومعدل الثانوية العامة «التوجيهي أو ما يعادلها» وذلك لفوجين من كلية الطب في الجامعة الأردنية، تم قبولهم في عامي 2012 و2013 وبلغ المج?وع الكُلي للطلبة 808 طالبًا وطالبة، تخرّج منهم 626 طالبًا وطالبة بنسبة (77%). شكّلت نسبة الإناث الإجمالية (52.7%)؛ بينما شكلت نسبة الإناث في منظومة القبول الموحد والمكرُمة الملكية ضعف عدد الذكور، وفي منظومة القبول في المسار الدولي نحو الثُلث فقط.
أما مُعدّل الثانوية العامة «التوجيهي» أو ما يُعادلها حسب نظام القبول في الجامعة بمختلف مساراته فقد شكّل القبول الموحد والمكرمة الملكية السامية أعلى متوسط مُعدلات في القبول الموحد بنسبة بلغت (%98.9)، تلاها القبول من المكرمة بمعدل بلغ (98.5%)، وقد تم تحليل العلاقة بين مُعدّل الثانوية العامة أيضًا ومستوى الأداء في كلية الطب (مُعدل التخرُّج) تحليلًا إحصائيًا شمل كافة المعايير عبر الوسائل الإحصائية العلمية الحديثة.
أثبتت نتائج الدراسة أن أفضل فُرصة للتخرُّج بأعلى المعدلات كانت للطلبة من حَملة الثانوية العامة الأردنية، والثانوية البريطانية والسويسرية، وفيما يخُص منظومة القبول فكانت أعلى فرصة للتخرج من الكلية هي للطلبة الذين دخلوا عبر نظام القبول الموحد والمكرمة الملكية السامية.
تجدر الإشارة الى أن هذه الدراسة العلمية تعدُّ أول دراسة موثّقة تُقارن هذا التنوع الكبير من شهادات الثانوية العامة من دول مختلفة وأنظمة تعليمية مختلفة، وأداء الطلبة في كلية الطب، وكذلك التنوع الكبير في منظومة القبول. وقد خرجت الدراسة بنتائج نوعيّة تُثبت أهمية الثانوية العامة الأردنية «شهادة التوجيهي الأردني» ومستواها مقارنةً بشهادات الثانوية العامة الأخرى، مما يُعزّز من مكانتها الدولية التي توجب رعايتها وتعزيزها والحفاظ على منظومتها ومكانتها وفق توصيات الدراسة ونتائجها.
أثبتت هذه الدراسة أيضًا عدم الحاجة إلى تعديل نظام القبول في كليات الطب، إذ تعد شهادة الثانوية العامة الأردنية كافيةً وآمنةً لقُبول الطلبة في كليات الطب الأردنية، ويعد ذلك مؤشرًا موضوعيًا.
كما قدّمت الدراسة مُؤشراتٍ هامّة فيما يتعلق بمنظومة القبول، وأثبتت نتائجها بأننا تحوّلنا نحو الربحية، حيث أن أكبر عدد من الطلبة قد تم قبولهم في المسارين الدولي والموازي بنسبة وصلت إلى (44%).
بلغ مُجمل مُعدل القبول في التنافسي 36% فقط توزعت بين 18% من المقبولين في القبول الموحد و18% من المقبولين في المكرمة الملكية، مما يعزّز التعليم الطبقي باتجاه الطبقات المقتدرة من المجتمع.
من جانب آخر وعلى هامش هذه الدراسة وبعد عقد من الزمن تقريبًا تم تحليل بعض المُعطيات الحالية للعام الدراسي الحالي 2023 وذلك بخصوص منظومة، فقد بلغت أعداد الطلبة المقبولين (1491) طالبًا وطالبة (أي قرابة أربع أضعاف ما كانوا عليه قبل عشر سنوات) وذلك دون زيادة أعضاء الهيئة التدريسية أو البنية التحتية بما ينسجم مع زيادة الطلاب.
وكان توزيع الطلبة المقبولين (1491) على الشكل التالي: (712) طالبًا وطالبة في البرنامج الدولي أي نسبة (47.7%)، وفي الموازي (154) طالبًا وطالبة أي نسبة (10.3%)، وإن مجموعة المقبولين في كل من الدولي والموازي شكّل (866) طالبًا وطالبة بنسبة (58%).
أما عدد المقبولين في القبول الموحد فقد ارتفع إلى (392) بنسبة (26.2%)، بينما انخفضت المكرمة الملكية إلى أكثر من النصف ليصبح مجموع المقبولين لهذا العام 124 طالبًا وطالبة بنسبة (8.3%)، بهذا أصبح مجموع القبول الموحد والمكرمة (516) طالبًا وطالبة أي بنسبة (34.5%) أقل مما كان عليه قبل عشر سنوات (36%) فقد تمت زيادة القبول الموحد على حساب القبول في المكرمة السامية. والجدير بالذكر أن كلاهما يمثلان منافسة على المستوى الوطني وبفارق ضئيل.
إذا تمت المقارنة بين العالم الحالي وبين القبول قبل عشر سنوات نلاحظ أن هنالك زيادة في أعداد الطلبة المقبولين بشكل كبير وكذلك تعزيز مفهوم التعليم الطبقي وهذا يتناقض مع قانون التعليم العالي والبحث العلمي لعام 2018 وذلك حسب المادة 3 من البند (أ)، والذي يُشير إلى أن مهام التعليم العالي تتضمن إعداد الكوادر البشرية المؤهلة والمتخصصة في حقول المعرفة المُختلفة لتلبية احتياجات المجتمع بما يتواءم مع أهداف التنمية وخططها الشاملة. وأصبح التعليم متوجهًا للفئة المُقتدرة من المجتمع والطلبة الوافدين.
من جانب آخر نجدُ أيضًا بأن الطلبة الذين حصلوا في الثانوية العامة على مُعدلات تتجاوز 90% ويطمحون في دراسة الطب قد هاجروا إلى الخارج، ليتم الدفع على دراستهم هُناك بالعُملة الصعبة، وكذلك يعودون بمستوى مُتواضع في غالبية الحالات، بينما تُشرّع جامعاتنا أبوابها للمسار الدولي دون تحديد أية نسب يتم الالتزام بها.
نتفهّم من جانب آخر التحديات والصعوبات المالية التي تمُرُّ بها جامعاتنا ولكن ذلك يجب ألا يكون بمُقابل إخراجها عن أهدافها الرئيسة التي أنُشئت لأجلها، فما نُشاهده حالياً هو تحوّلٌ واضح عن مسارات يجب أن تكون راسخة، وما نلاحظهُ اليوم فهو تحوّل جامعاتنا من مؤسسات غير ربحية إلى شركات ربحية.
إن ما نطرحه في هذا المقال المبنيّ على دراسة علمية موثقة تُقدّم معلوماتٍ بهذا المنظور حول كُلية الطب في الجامعة الأردنية وهي بمثابة جرسُ إنذارٍ يدُق ناقوس الخطر في مجال التعليم الطبي في الأردن، وهُنا باعتقادي أننا نفقدُ البوصلة في التعليم الطبي في الأردن، فهذه أمُّ الجامعات الأردنية، ويجبُ على كافة المعنيين في إدارة التعليم العالي في الأردن التنبه إلى ذلك واتخاذ التدابير والإجراءات التصويبية من خلال التفكير خارج الصندوق، دون أن نبقى في حلولٍ آنية سهلة لا يُنظر إلى عواقبها اللاحقة واتباع سياسة الترحيل الكارث?ة. وأن نحافظ على منظومة التوجيهي الأردني ونعززها بإعادة النظر في سياسة القبول بخصوص الطلبة الوافدين ووضع نسب معينة للطلبة الوافدين كما هو معتمد في غالبية الدول المتقدمة، مع مراعاة أن لا يكون ذلك على حساب الطلبة الأردنيين (فقبل عدة سنوات عندما كُنتُ أشغل منصب عميد كلية طب، زارني أحد سفراء الدول الآسيوية الصديقة، وطلب مني 100 مقعد في الكلية لطلاب من بلده، وحينها كان هنالك قرار من مجلس التعليم العالي ينص بأن الحد الأعلى للطلبة الوافدين هو 10%، فأخبرته بأنني أستطيع توفير بضعة مقاعد من هذه النسبة، لفتح المجال ل?اقي الطلبة من الدول الصديقة الأخرى التي ترغب في إرسال أبنائها إلينا لدراسة الطب، ويجب توزيع هذه النسبة بين الدول الشقيقة والصديقة، ولكنه ذهب بعد هذا اللقاء إلى جامعة أخرى وتم قبول طلبه رغم مخالفته للتعليمات حينها وهكذا استمرت الأمور..)
حفظ الله الأردن ومؤسساته ومُقدّراته ليبقى النموذج الأمثل الذي نتمناهُ على الدوام.
رابط البحث: https://doi.org/10.1186/s12909-023-04251-y