كتاب

للأمن الغذائي.. زراعة الأرض واجب وفرض

ترعرعنا في الأردنّ على نداءات الأرض وهي: «بتتكلّم عربيّ». كما أنها في أوطان العالم تتكلّم بلسان قاطنيها، تحاكيهم وتدغدغ مشاعرهم، وتنسج الأرض حريرا تحت أقدامهم.

سوى أنها اليوم تصرخ من أحشائها وتستنجد أبناءها، وتشكو جفاءهم أشدّ مما تشكو جفافهم. فقد خلق الله الأرضَ حاضنة للماء والهواء والغذاء، كافية للحياة على ظهرها، بجميع متطلبات استخلاف الإنسان، للإعمار والبنيان، وهي نِعَم ربّانية تدوم بالشكر ومن شكرها: العناية بها.

وتتعالى أصوات المخلصين على امتداد العالم، لتنذر بشؤم جفاء الأرض وجفافها، وتحذّر من الهرولة بالاتجاه الخطأ، بسبب التصـرفات غير المقبولة من بني الإنسان، تجاه أسس النظام الغذائي العالميّ. فيلزمنا جميعا أن نصغي بقلوبنا وأذهاننا لكلّ النداءات التي تدعونا إلى الأمن والاستقرار والسّلم والسلامة.

ومما يجب التحذير منه: «الإهدار»، ذلك الأمر الذي أصبح سمة غالبة عند كثير من البشـر، فإهدار الوقت الذي يصرف الأعمار إلى عدم الإنتاجية، وإهدار القدرات والمقدرات، التي دونها تصبح الأمم والأفراد على قارعة السبيل، أو قابعة في أسفل الوادي فيجرفها أسهل مَسيل، بدلا من الحياة الكريمة التي نسعى إليها جميعا.

وقد طرأ الإهدار بين الناس مؤخرا، فالحياة كانت صعبة على الآباء والأجداد، ومع التقنيات والابتكارات أصبح الإنتاج فائضا، مما أدى إلى الإهدار بدلا من الحفاظ على النعمة، والإهدار في الثانويات شيء والإهدار في الطعام شيء آخر.

فقد انتشر بين الكثيرين سوء معاملة للطعام، كأنه العدوّ اللدود الذي لا بدّ من الانتقام منه، فيقومون بإلقاء الطعام بأنواعه، في المناسبات بأنواعها، على امتداد العالم، أصبح من الإتيكيت ومن المسلمات عند الفقراء والأغنياء، وكلّ يهدر على حسب قدرته، دون مبالاة لأهميته.

ومع أنّ الإهدار بالطعام، بالغ الخطورة من حيث إهداره، ومن حيث التعامل مع مخلفاته، إلا أنّ كثيرا من الناس، أضافوا إليه ترك زراعة الأرض والإهمال بمصادر الطعام، وتلك ثنائية تزرع الرعب، وتقلع الأمن الغذائي، ويعشعش فيها مستنقعات تحوّل الحياة إلى غلاء فاحش، وفقر مدقع، وطبقية مقيتة، ويركض الواحد منا خلف اللقمة ركض الوحوش في البرّيّة. إنّ تركَ الأرض جفاءٌ، وعدم زراعتها جفاف، وسماع التحذيرات واجب، والتبكير إلى المحراث أصبح جزءًا من منظومة القيم التي تعزز الوجود، وتسعى للحفاظ على الموجود، وتورّث الأمانة للولد والمولو?.

يمنع الانتماء للأرض، ويشكل تهديدًا للأمن الغذائيّ، ويقوّض الحياة المستقرّة. لأجل ذلك نجد أنّ القادة والزعماء والعلماء والمعنيين، على امتداد العالم يتنافسون في إعطاء الحلول، ويحاولون عقد الاجتماعات وتعزيز الأبحاث وتدشين المشاريع، وإقامة المؤتمرات، لتنبيه الناس إلى الخطر الداهم، والعدوّ الجاثم.. إنه جفاء الأرض وعدم زراعتها.

ولست بصدد الشرح الوافي لأهمية الأمن الغذائي، ولكنني أقدم مقالتي، برجاء أن أذكّر بأمرين:

الأول: أننا أرض زراعية، فلماذا سوء التغذية؟ ولماذا الإهدار في الغذاء ونحن نشكو ما نشكو؟.

الثاني: ضرورة الاعتناء بالمزارع والـمَزارع. فالوطن قائم على أرض زراعية، فأين ابنُ الوطن المزارع، وأين المزارع التي يعتني بها المواطنون.

لقد أصبحت الزراعة: واجب وفرض. والسؤال: أين نحن من هذا الواجب والفرض؟.

agaweed1966@gmail.com